قصة

جامع البـِـنــَـس

أحمد ثروت

**تحوم عيناه بِرَويةٍ حول دائرةً وهميةً، تتسع و تضيق، حيث يبحث، فهنا بِنَس الشعر-تلك الأعواد الحادة المتعرجة-،
لا تستمر طويلاً في شعر الأنثى التي أمامك أو التي تدور حولها ، بل تسكن الدائرة المحيطة بقدميها، هو قانون أنثوي ، هذا عُرف البِنَس.
ينساب ناظراه في البقعة الوهمية بهدوء و ثبات، الخط الأسود المتعرج صغير، لكنه بثقة ينحني نحو هدفه المحدد، فيلتقط البِنْسة الساكنة، ثم يفركها بإصبعيه من التراب، يضعها في جيبه. ثم يكمل مساره.
أول دخوله المنزل يتجه لغرفته نحو المكتب الصديء، يفتح الدُرج العلوي بصعوبة، فالمسار الذي تنزلق فوقه قاعدتي الدرج مهشم من المنتصف، ثم يرمي حصاد يومه من بِنَس طويلة أو قصيرة، متعرجة أو حادة بانحناءة واحدة، غليظة كأداة صانع أو رفيعة كإبرة، يُبدّل ملابسه بشورت قطني و فانلة بالية، ثم يجلس أمام مكتبه يفتح الأدراج الجانبية واضعاً كل بِنسة شعر جوار شبيهاتها، أو مانحاً البِنسة المختلفة مكاناً مميزاً تنتظر فيه رفيقاتها القادمات حتماً.
**بينما كان مستمراً في تنظيف و تصنيف بِنَسه العديدة، قاطعه صوت الموبايل مُظهراً اسماً جديداً على الذاكرة، امتازت بجسد ملفوف لدن شجّعه على منحها رقمه إن احتاجته في “أي موعد”، و ضغطت نبرته على كلمة”موعد”. بدأت الحديث بصوت غانج متسائل عن احتمال ذهابه للعمل اليوم التالي، هو أيضاً كان يتكلم بنعومة مماثلة متغزلاً في رقتها و ذوق ملابسها الباعث للانتعاش. مكالمتهما الأولى ما هي إلا خطوة راسخة تُثّبت علاقة يحتاجها الطرفان، فهو وحيد تماماً رغم وفرة أصحابه و زملائه، و هي امرأة بطفلين لا يستوعبان من الحياة غير طعامهما و ألعابهما الصغيرة الشائعة، أنجبتهما من زوج مرتحل يجوب البلاد باحثاً عن رزق جديد أو مسار يغير الحياة للأفضل. بينما كانت تشعر دوماً ببرودة فراشها، كانت تحس أن صقيعاً يحيط أعضاءها، كان هو يحلم بعلاقة ثابتة تؤكد له صدق وجوده.
أجابها بصوت دافيء و عيناه تسرحان في جسدها ممدداً جواره:
– مفاجأة مبهجة..
– محتاجة أسأل عن شوية تفاصيل..
– عيوني..
– مش هعرف اشرح لك في الموبايل.. أشوفك.
التقت جفونه معتصرة عيناه و هو يضغط أسنانه ببعضها مفارقاً الجسد الشمعي الممدد، منزعجاً من خياله فتح عينيه
و قبض مجموعة من البِنَس، ثم ضغطها بين كفيه قائماً فجأة، اعتصر المعدن الحاد حتى آلم كفه، و قرر أن لا يجيب اتصالاتها بعد ذلك أبداً.

**حين تسرب لأنفها رائحة عطره الهاديء انتفضت بوضوح، لامته على خروجه من العمل مبكراً اليوم السابق، و لم يكن انزعاجها بسبب خروجه بلا إذن منها، فقد أعلمها باضطراره للرحيل مبكراً- أو بسبب عدم انجازه لعمل أُوكل له-فهو ينجز أعماله فوراً و لا يُبق لها ذيولاً-، لكن سبب انزعاجها الرئيسي كان رحيله مبكراً و كسره لروتينهما اليومي الذي يشمل قبلة بطيئة و احتضاناً دافئاً في جنبات الغرفة المغلقة، ابتسم لعينيها فاكتفت و رضت تعويضاً حين وعدها بيوم كامل في”مغارته اللطيفة” سوياً، مال جذعه نحوها فجأة فارتعشت جزءاً من ثانية، ثم خاب أملها حين استمر ميله ليلتقط بنسة متربة سقطت من أسفل طرحتها الوردية.
**كانت شقته أقرب لحانة عتيقة خَرِبة، تتناثر الأكواب و الأطباق الورقية و الكتب في كل ركن، تكوّنَ غلافٌ أسود فوق دهان السقف نتج عن كثافة الدخان، رغم ذلك كانت أدراج مكتبه منظّمة تماماً، يرى”مغارته اللطيفة” مثل عقله، محاصر بالنفايات لكنه ينتج في النهاية منتجاً نظيفاً مرتباً كأدراجه.
كل واحدة قضت وقتاً طويلاً أو قصيراً في شقته حاولت أن تعيدها سيرتها الأولى، كمكان يصلح لسكن آدمي و لمعارك آدمية مقبولة، و كان يرفض بسلاسة و إصرار. إحداهن حاولت مفاجأته أثناء نومه و بدأت تضع الأكواب و تجمع أعقاب السجائر في أكياس، لكنها فوجئت بغضب أنهى علاقتهما التي حسبَتها راسخة متجذرة، ارتباطهما الذي سعى له بصبر سنة كاملة. و لم يؤثر عليه تعدد محاولاتها، فقراراته دوماً لا رجعة فيها و لا اعادة تفكير، “هكذا يكون الرجال”، قالها لنفسه و ابتسامة مهتزة تحاول الخروج من بين شفتيه .
لكن الأحوال تتبدل و القلوب تتقلب، و القلوب لا تتقلب بلا سبب أو هدف معلن أو سري. بدأ الوضع المزري يُفقده ملاذه الآمن مانح المتعة، “مغارته اللطيفة”، زحفت العناكب فوق الجدران و السرير، حتى أنه كان يلاعب صاحبته و يداه تنسابان بين شباك العناكب الأزلية، امتزجت روائح المشروبات مع القيء و العرق الناتج من معارك مبهجة، لكن كل هذا لم يؤثر في قراره؛ إلا لحظة انتباهه لرفضهن واحدة تلو الأخرى الذهاب معه “للمغارة” مرة أخرى، حتى أن إحداهن صارحته بأن السبب قذراة شقته التي تفوق الاحتمال، ماجعله يفكّر في حل سريع مُجدٍ، لكن بعيداً عن رفيقاته المؤقتات، هو لا يستطيع و لن يحاول أن يقوم بفعل هذا وحده قط، فكان قراره أن يحضر شخصاً متخصصاً في هذا النوع من الأعمال- تنظيف جثث الأماكن و إعادتها للحياة مرة أخرى-.
**حبّات العنب الأحمر متناثرة فوق الطبق المسطّح، ينظر لها بعين نصف مفتوحة، ثم يغمض عينيه، و ينظر مرة أخرى. يسحب أنفاساً قصيرة متقطعة من نهاية سيجارته، و هو يجمع الحبّات الحلوة بأصابعه ثم يُسقطها في الكوب الممتليء ثلثه بسائل شفاف يفور مع سقوط كل حبّة. قضم قطعة من رغيف جاف و مضغه في روية، ثم أشعل سيجارة أخرى يدخل دخانها من فمه بطيئاً عميقاً ليخرج من أنفه مُرّاً حادّاً.
كانت تجلس مُربّعة ساقيها العاريتين أمامه، يفصلهما زجاجة و طبق و قطعة خبز جاف، شاغلاً نفسه-أو متظاهراً بالانشغال- بالشُرب و التدخين يتحاشى النظر لعينيها، غير منتبه-كما بدا- لحديثها المستمر عن جسده الذي يُهلكه عن قصد، عن “مغارته” التي تشبه جسده، و عن هوايته الغريبة، اقتنائه الأعواد الحادة التي تُثّبت الشعر أو غطاء الرأس المنزلق.
تذكّر قصة صانع البِنَس، ذلك الرجل الذي اخترعها صدفة عند نجاح محاولته تثبيته شعر زوجته القصير بدبوس متعرج. دبوس متعرج من جهة و مستقيم من الأخرى و عقل يعمل، حققا لهذا الرجل ثروة مذهلة، فكّر أنهما بالتأكيد حققا له علاقات غزيرة بإناث صنع لهن بنساً بيديه، لكّن دبوساً متعرجاً بدون هذا العقل لن يزيد عن كونه دبوساً بائساً، لا يصلح لأداء وظيفته، ربما يصلح فقط لربط ورقتين ببعضهما.
**في الأوقات التي كان يسكن فيها حابساً أنفاسه خلف”شيش البلكونة الأخضر المغبّر”، يراقب جارته المبتسمة دوماً، كانت هي تتبختر في غرفتها موقنة تماماً من مراقبته لها، تلّون شفتيها أو ترتدي قيمصاً مُلهباً يشعل رغباته، تتثنى
و تؤجج روحه، فيهاتفها و يقضيان وقتاً حيث يطير كل منهما في سمائه حاضناً أحلامه، يتهامسان عبر موجات الهاتف، ثم يتوهجان. و لا تطول المكالمة اليومية، حين ينقطع استمرارها دوماً في نفس الموعد، الموعد الذي تعود فيه ذات العينين الواسعتين من حصتها الدراسية المسائية، بشعر فاحم ينتهي بذيل طويل لحصان متخيل، تجّر روحه من خلف الشيش، فينهي مكالمته الساخنة، و يتابعها مسحوبة روحه لحافة غير منظورة.
**لم يكن تنفيذ القرار يسيراً مثلما تصوّر عند اتخاذه، فأقاربه قد انقطعت علاقته بهم جميعاً منذ أزمنة، أمّا أصحابه و محبيه فلا يحبذون التورط في إحضار سيدة لشخص مثله، حتى أنه طلبها عجوز لا أمل فيها، لكن ذلك لم يشفع له عندهم أيضاً، اكتشف بعد فترة أن الأوقع هو البحث عبر الشبكة، فالشبكة ميزة لا يستهان بها في هذا العصر، تقرب البعيد و تكشف الأعماق، و تغلب على عدم تناسب ظهور ذلك على صفحته الشخصية بانشاء صفحة جديدة باسم وهمي- كمعترض أصيل على سياسات الخصوصية-، كلها كانت محاولات و مناورات لم تبح بنتيجة، فظلت حالته معلقة بين الانتظار و اتخاذ القرار.
**غبار و عفار بلا حد، و كتل لزجة تشّد قدميه فينهمك في اخراجها باذلاً عرقاً من كل فتحة في جسده، كان ذراعاه ممتدان للأمام، لكن الغيمة اتسعت حتى حجبت الرؤية، ثم برز متهادياً من وسطها جسد أسمر ضئيل كعظام كُسيت جلداً منكمشاً، و القمر قد هدأت لمعته و امتصت الغيمة ضياءه، لكن الأسمر اتجه نحوه متمهلاً، مخترقاً رذاذاً كثيفاً توغل حول عقله، فانتشى و قبض ذراع الضئيل متوسلاً.
راحت عينا الجسد الفارغتين نحو بقايا الخبز و عظام الدجاج و بين الكمية الهائلة من الأكواب الورقية و التراب، لم يلتفت للملآة المثقوبة كمصفاة بفعل”طفية السجائر، استقبله متأففاً منتَزَعاً من نومه، فبدأ الأسمر الضئيل فوراً يجمع البقايا و يكنس التراب بينما هو مستند لجدار الردهة، يغالب نعاسه و يحاول إراحة أعضائه المستهلكة، لكن الجسد كان يطلب منه أن يحضر له كيساً ضخماً من الردهة أو يناوله أداة من أدواته. بعد قيام و جلوس و إحضار أدوات و إستخراج أكياس من ” مغارته”، قرر الوقوف طويلاً تحت ماء ملتهب و ابتلاع قهوة مزدوجة ليستفيق و ينتهي من تبعات القرار المزعج،
كانت” طفلة الثانوي” هي أكبر الأسباب تاثيراً عليه لاتخاذ القرار الذي أرهقه، استمر في هوايته المختلفة و جمع بِنَساً متابينة، لكن امرأة أو فتاة لم تدخل بيته طوال فترة البحث و الاستكشاف، فألحت عليه فكرة تسريع العمل لانهاء هذا الارتباك في نظام حياته، حينها انهمك في مساعدة الأسمر ليقصّر الوقت.
شربا القهوة سوياً و تبادلا السجائر و الحكايات القصيرة، حتى أنهما تناولا نفس الطعام و استراحا متجاورين على سريره، ناظرين للأعلى البعيد كلٌ منهما يرجو انتهاء المهمة سريعاً، تختلف أسبابهما و تتحد أهدافهما فامتزجا في تناغم قصّر الوقت تماماً. لم يكن قلقاً من استيلاء الجسد الأسمر على أي شيء، فهو لا يملك شيئاً ذا قيمة في شقته.
غاب عنه لزمن لم يستوعبه، و عاد يدندن بموسيقى فرحة، اتسعت ابتسامته حين وجد أكياس القمامة قد اختفت من أمام باب شقته، لقد انتهى الضئيل من رميها بالخارج. لحظة دخوله الشقة انقبض قلبه و ارتجفت روحه للحظة، لم يُنبه الضئيل الأسمر لقدسية مكتبه و بِنَسه الحميمة، تلك زلة يجب أن ينتبه لها سريعاً، فاتجه كطلقات سلاح متتابعة لغرفته، ليجد الجسد المتداخل في غبار الغيمة متسمراً أمام مكتبه المفتوح الأدراج، تقدم نحوه بخطى سريعة، ينظر للأدراج الفارغة و يسأل بلسان ثقيل” وديتها فين؟”، فيشير الآخر بإصبعه مبتسماً نحو الفراغ.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى