قصة

مذكرات مراهِقة

ليلى عبدالواحد المرّاني

أولى خطواتي كانت في رحلة جديدة من حياتي، غمرتني بفيضِ من مشاعر وتغيّرات مزاجيّةً وجسديّة لم أكن أُدركُ كنهها ، لكنني ما زلت أستشعر دفقها، وتعطّشي لتغيير روتين حياتي الجامد، حينما وصلتنا رسالة من ابن عمٍّ لي يعيش في البصرة، قرأتها لوالدي. برجاءٍ خجول يطلب منه أن يستقبله في بيتنا ليواصل دراسته الجامعيّة في كليّة الهندسة، وصورةٌ صغيرة له أرفقها برسالته، لم أفهم ساعتها سبباً لتلك الصورة، ولكنّ شهقة أمي وصوتها المستنكر، جعلني أفهم…
– الله ينطيه العافية، هسّه تذكّر عنده بيت عمّ ..!
نظرةٌ غاضبة من والدي، وحوارٌ حادّ، كاد ينقلب شجاراً، رفعت أمي الراية البيضاء، وصوت أبي متهلّلاً، آمراً…
– تعالي حنان، أكتبي…
مرحّباً بابن أخيه؛ أملى عليّ، ونظرات أمِّي ألحانقة تكاد تمزِّق الرسالة. مستغلّةً انشغالهم، دسست الصورة في جيبي، وتحت وسادتي وضعتها ليلاً، لا أدري لماذا، في أعماق ذلك الوجه، أغور كلّ ليلةٍ قبل النوم، محاولةً أن أفهم تمازج الرقّة والدهاء فيه، ومشوارٌ جديد مع أحلامٍ بدأت تأخذ مساراً آخر. فارسٌ قادمٌ من البصرة على حصانٍ أبيض، يطير بي فوق الغيوم، الى سماءٍ لازورديّةٍ سيأخذني، أنا التي كنت أذوب وأبكي قهراً وحزناً حين أقرأ قصص العشق والغرام. وجاء الفارس، يحمل وجهاً صبوحاً تضيئه عينان عسليتان، تلمعان ذكاءً وغموضاً. سحرني بقامته الفارعة وعضلاته المفتولة، ونحن عائلةٌ جلّ أفرادها قصيرو القامة. أملٌ كبير كان يعقده والدي على ابن عمّي في أن يصلح حال ابنه البكر، ألمتعثّر في دراسته. وأملٌ أكبر كان يحدوني وأنا آخذ على عاتقي تنظيف غرفة أخي التي قاسمه فيها أبن عمّي. حارّاً، متفجّراً صعد الدم إلى رأسي حين علّق أخي أمام الجميع ضاحكاً
– ما الذي جدّ يا حنان، وما هذا الاهتمام الكبير بتنظيف غرفتي؟
أطرقت بخجل لاعنةً أخي في سرّي. رغم حصوله على مكانٍ في القسم الداخلي، ورغم استمرار أخي في تعثّره، أصرّ والدي على بقاء ابن عمي معنا، فرحتي تفجّرت من عينيَّ، وغيظ والدتي تفجّر من أوردة رقبتها.
يكتب الشعر، ويلقيه بصوتٍ يقطر عذوبةً ودفئاً على مسامع أخي المنشغل بأغنيةٍ راقصة. أنا المعنيّة بذلك الغزل الرقيق، هكذا شعرت، وصوت أمّ كلثوم تشدو زاد الجوّ رومانسيّةً عذبة. أنفعل، وأحياناً أبكي، أحببت أم كلثوم لأجله، وأقمت لها محراباً في قلبي، وأحببت الشعر متدفّقاً من فمه كماءٍ سلسبيلٍ عذب..
حين أهداني رواية (أنّا كارنينا) ، كان يوم عرسٍ حقيقي احتفلت به. تقمّصت شخصيّة البطلة، عشت معها أحلامها وآلامها، وبكيت حرقةً حين وضعت نهايةً مأساويّةً لعذاباتها.. أوامر والدي أن أكون بصحبة أخي إن شئت الذهاب الى السينما، الأمر أصبح أحلى وأشهى حين التحق بِنا أبن عمي. ملكةٌ متوّجة شعرت بنفسي وأنا أتوسّطهما، أخي وحبيبي، أعيش أحداث الفلم، أنا البطلة، وهو العاشق المتيّم، وعذولٌ حاسدٌ يقف بينهما، تمنيت ألاّ يكون معنا أخي، ربما أخذ بكفّي بين يديه، أو همس في أذني كلمة حبّ عذبة، ذلك الذي عشقته بكلِّ جوارحي، هو أيضاً يكنّ لي حبّاً صامتاً، خجولاً، هكذا ظننت، وإلاّ لمَ أهداني تلك الرواية الرائعة؟ قصة حبٍّ عنيفة عشتها، ومن أحلامي بنيتها، أنا المراهقة التي لم تتبادل حرفاً مع رجل من قبل، سوى أبي وأخي. حدث أني كنت في غرفته أقلّب صفحات دفتر أشعاره، أقرأ وأطلق الآهات، رفعت رأسي، واقفاً أمامي رأيته ونظرات غريبة لم أعهدها في عينيه، تخترق جسدي، ارتعشت، أغلقت الدفتر باضطراب وعدوت أتعثّر بخجلي..
أيامٌ مضت وأنا أتحاشى اللقاء به، أو الدخول إلى غرفته، وقلبي يتحرّق شوقاً لسماع كلمةٍ تخرج من فمه، لوماً، عتاباً، أو تقريعاً..
– الا تتكرّمين علينا حنان، غرفتنا أصبحت ساحة مزاد…
قال ضاحكاً في يومٍ مشرق جميل، كادت خفقات قلبي تصل مسامع والدتي الحانقة دوماً…

عاودت مهمتي بفرح وأنا موقنةٌ أنّ أمي لن تدخل الغرفة، و يمينٌ صامت أقسمته على أن لا تفعل منذ مجيئه، حاجاته محطّ اهتمامي الأول، ملابسه، كتبه وأوراقه المبعثرة.. وفجأةً وقعت عيناي على رسالةٍ موجهةٍ اليه من صديق، ما زلت أذكر كلماتها حرفاً، حرفاً، وكأنها حُفرت وشماً في تجاويف قلبي وذاكرتي…
( ألا تزال تحاصرك بمشاعرها الملتهبة، تلك المراهقة الصغيرة، ابنة عمّك؟.. ماذا يضايقك من أمرها يا أخي؟ تأكّد لو كنت مكانك لتمتّعت بحبّ فتاةٍ جميلة مثلها، ما الذي وجدته فيك أيها المغرور لتحبك بهذا العنف؟ لماذا تتذمّر، أترك بيت عمك واذهب الى القسم الداخلي، لترتاح وتريح، وتذكّر أنك ترفس النعمة بقدميك يا صديق… )
كاد يغمى عليّ من فرط الانفعال والغضب، والاندحار. رميت الرسالة أرضاً، وخرجت مهرولةً والدموع تعمي بصري، وكأن عفريتاً يطاردني. أغرقت وسادتي دموعاً ساخنة، ومزّقت صورته بأسناني، صابّةً عليها كلّ حقدي وانكساري، وانهيار صرح أحلامي الجميلة الذي بنيته ببكر عواطفي. ثقيلةّ، موجعة مرّت الأيام، وأنا أتجاهله، وهو يحاصرني بنظراته المتسائلة بصمت.
انتهى العام الدراسيّ، وعاد الى البصرة، ثمّ التحق بالقسم الداخلي في السنة الثانية. بين حينٍ وآخر يزورنا، جافّةً، متشنّجةً أستقبله، ثمّ أهرب. فوجئت به في إحدى زياراته وأنا أفتح الباب، دسّ رسالةً في يدي، ارتبكت، خبّأتها تحت قميصي، وهرولت مسرعةً الى غرفتي، فتحتها ليلاً، رسالة طويلة كانت، واعتراف صريح بحبّه ولواعج قلبه، مرفقةً بقصيدة حبّ ملتهب، كتب إهداءً بها… ( إلى التي اكتسحت كلّ دفاعاتي، وأورثتني أرقاً يرافق طيفها ليلاً، ويعيش دقائق ولحظات حياتي معي… )
بمشاعر ميتة قرأت الرسالة عدّة مرات، مزَّقتها، ورميتها في سلّة المهملات… وضعت رأسي على وسادتي، واستسلمت لنومٍ لذيذ..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق