دراسات و مقالات

تابوت الغريب -رحيل الشاعر و الباحث الجزائري عياش يحياوي٠

السعيد عبد العاطي مبارك

مع صاحب ديوان: «تباريح بدوي متجول»٠

” خديجةُ قولي لأمّك إن الضيوف لدينا
إذا كان عندكُمُ فلفلٌ وطماطمُ أن تذكرونا
ويا خجلي…سوف أطلب بُنًّا وفاكهةً وصحونا
وفي آخر الليل بعضَ الغُرفْ
وأشياءَ من نزوات الترفْ
وأرجوك أن نتزوّج منكمْ
لنُنْجبَ بعض الصبايا وبعض الكراسي وبعض التّحفْ
أرى ما أرى…
لو رأى جبلٌ هولَ ما هالني انتحرا
إبلا تُحسِنُ الطعن في كبدي
وتخون هوادجَها والعُرى
وتزمّ ثقوبَ الفضيحةِ..والقلبُ نجمٌ وهمّي السُّرى
أرى…وأصفّق بالنوح مثل عجوز القرى
يجيْ غرابٌ
له مخلبٌ من إناث الطباع
جناحاه من زغبٍ حامضٍ بالظلام
ومنقاره صخرة خائنه
وفي أرذل العمر يأتي
أزوّجه قمرًا من كروم دمي
لقد كذّبتني السواحلُ رملُها وأراملها
وأرى..
أرى وردةً تتسلح بالشوك
أو وردةً تتعطّر بالشوق
كلتاهما من عشيرتنا
والتي عطّرتْ نهدها هربتْ بثياب الخديعة
واللص يتبعها قلِقًا من كلاب القرى وهسيس الخُطى٠٠٠ “٠
——-
أجل مازال مسلسل رحيل الشعراء في وطننا العربي الكبير مستمرا لا يتوقف ، فكل يوم يفقد شعرنا العربي علما من أعلامه ، بالأمس القريب يرحل عن عالمنا منذ بضعة أيام شاعرنا الجزائري ( عياش يحياوي) المقيم في دولة الإمارات العربية بأبو ظبي بعد رحلة عطاء ممتدة ٠
و ذلك عن عمر يناهز 63 عاما ٠
فهو رمز بلدة عين الخضراء ولاية “المسيلة ” ٠

* قال عنه الأديب والإعلامى «محمد عالم»:
(تتدلى القصائد بين يديه كما تتدلى العناقيد الذهبية بين عرائشها وكؤوسها.. وسلام على القصيدة حية نابضة ملء أصابعه..).

و يُعتبر من بين الشعراء الجزائريين الّذين تركوا بصمات في المشهد الثقافي في الجزائر وكذا على المستوى العربي، وله أكثر من 12 مؤلفا.

فقد عمل الراحل عياش عمل في مجال الصحافة منذ التسعينيات من القرن الماضي ٠
و هذا قبل أن ينتقل للإمارات ويشتغل كرئيس تحرير للقسم الثقافي بإحدى الجرائد المحلية ثم كباحث في التراث في عدد من الهيئات الإماراتية الحكومية.

و برغم عمله الإعلامي، فلم يتوقف عن د نظمه للشعر بكافة أجناسه ومنه الشعر العامودي، الذي جمع قصائده في ديوان صدر عن مطبعة دار الفجر في أبو ظبي تحت عنوان «تباريح بدوي متجول»٠

وأصدر يحياوي خلال عمله بالإمارات عدة مؤلفات شعرية وأخرى بحثية في الأدب والثقافة الشعبية٠
و من ثم نال من خلالها عددا من الجوائز بينها :
* = جائزة “العويس” للإبداع الأدبي بدبي في 2015.

ومن إصداراته الشعرية
============== = ” تأمل في وجه الثورة” (1982) ٠
= ” عاشق الأرض والسنبلة” (1986)٠
= و”قمر الشاي” (2008) ٠
في حين تبرز من مؤلفاته البحثية “العلامة والتحولات” (2006) و”ابن ظاهر شاعر القلق والماء” (2004).

* من شعره :
========
هذه القصيدة التي بعنوان ( تابوت الغريب ) حيث يجسد حجم المعاناة مع الغربة و متاهات الحياة في رصد لبعض تلك الظواهر التي تؤرق الإنسان، فيقول فيها شاعرنا الراحل عياش يحياوي :

من يدي يبدأ ميقات الذهولْ
ولأفعى الشعر دمعي والطلولْ

ربما زالت أساطير جديس
وجـديسي رجعُ ناياتِ رسولْ

مدنٌ صدري حُبالى بالأغاني
ربمـا غنـيتُ مـن هــم ثقيـلْ

ربما باللمس كفي لا تراني
ربمـا يبصــرني تـل قلــيلْ

ليس في الناس حكاياتي ولكن
كل ما أحكيـه سهـومستحيلْ

عسل الأفعى شفاهي ودمي
شبح يهـذي وعفريتي صهيلْ

يطرق الأبواب قلبي مثلما
جبـلٌ ملتفـتٌ قبـل الرحيـــلْ

وطويل وجعي العالي وأنََا
لي أن أهرب من ليل يطولْ

إن تغنى جرس الجار بلحن
جرسي يعوي كما ذئب التلولْ

تدرك الأنجم أني ساهر
وقديما خـان أجــدادي سُهيـلْ

وأراني مثلما ماتوا أموت
إن هذا الغصن من ذاك الخميلْ

فعلى أي جهات الأرض ركضي
والردى يركض حولي ويصولْ

ترفل الوردة في ريحانها
ومن الريحان أسباب الذبولْ

ها هي الفأس التي تحفر قبري
فننٌ يرقص مخضلا طليلْ

وطعـام النـــعي قمــحٌ نـــائمٌ
والتوابيت ربيعٌ في الحقولْ

زغردي يا أرضيَ العطشى فإني
قـادم والعرس ديـدان وغولْ

ربما يحصدني الدهر يباسا
إنمـا قلبي فتى غض جميــلْ٠
***
و نختم لعياش يحياوي بآخر نص نشره علي صفحته :
خديجةُ قولي لأمّك إن الضيوف لدينا
إذا كان عندكُمُ فلفلٌ وطماطمُ أن تذكرونا
ويا خجلي…سوف أطلب بُنًّا وفاكهةً وصحونا
وفي آخر الليل بعضَ الغُرفْ
وأشياءَ من نزوات الترفْ
وأرجوك أن نتزوّج منكمْ
لنُنْجبَ بعض الصبايا وبعض الكراسي وبعض التّحفْ
أرى ما أرى…
لو رأى جبلٌ هولَ ما هالني انتحرا
إبلا تُحسِنُ الطعن في كبدي
وتخون هوادجَها والعُرى
وتزمّ ثقوبَ الفضيحةِ..والقلبُ نجمٌ وهمّي السُّرى
أرى…وأصفّق بالنوح مثل عجوز القرى
يجيْ غرابٌ
له مخلبٌ من إناث الطباع
جناحاه من زغبٍ حامضٍ بالظلام
ومنقاره صخرة خائنه
وفي أرذل العمر يأتي
أزوّجه قمرًا من كروم دمي
لقد كذّبتني السواحلُ رملُها وأراملها
وأرى..
أرى وردةً تتسلح بالشوك
أو وردةً تتعطّر بالشوق
كلتاهما من عشيرتنا
والتي عطّرتْ نهدها هربتْ بثياب الخديعة
واللص يتبعها قلِقًا من كلاب القرى وهسيس الخُطى
كنتُ أرقبُ ريق أنوثتها شاحبًا
وعلى ساقها يتسلّق جيشٌ بفيلقه
ويهرول بالخفقان الدجى
فوق قبري تنحنح شيءٌ
سمعتُ له طعنة
ورأيتُ لها صرختين
وحين شكوتُ إلى الحاكم العسكريِّ
توعّدَ أهلي وطالبني بالجنين
كأني الذي كنتُ فوق البلاد أفضّ بكارتها
وأوزّع جنّة عدْنٍ لمن يسمعون الأنين…
أكون أنا.. لو أكون
وطنًا داهمته رياح البحار
وأبناؤه يحرثون المراثي
ويحكون عن نملةٍ كذبتْ في النهار
أكون أنا .. لو أكون
غرابا أتى يتوضّأ من دم أهلي
وأهلي يشنّون حربا على كفر ضفدعةٍ آمنتْ بالتتار
أكون أنا..لو أكون
دمًا قرب أروقة البرلمان يُباع
وأهليَ مختلفون عنِ اسم رصاصة حزبٍ
ستقتلهم في «السفير» وتبعثهم في «المنار»
أكون أنا…لو أكون
ضباعًا تكدّد ثغرَ عجوزٍ من الجنّ
قامت تصلي إلى ربّها سَحَرًا
والذين أقاموا الولائم في جسمها نائمون
أكون أنا .. لو أكون
ترابًا سأحمله للقيامة
يشهد أن بلادي التي في الصدور
سواها بلادي التي في السطور
وأهليَ جاءتهُمُ عنزةٌ في الظلام
فكُلٌّ على كلِّهم غاضبون
من اشعاره ———————
متى تأتي الجنازه ؟؟
هيّأتُ أرض القبر مرّات
وقد بليتْ على أغصاني الأكفان
مراتٍ
وملّتْ قريتي من حفلة التشييع
مراتٍ
ولم تأتِ الجنازه !!
يا أيهذا الساكن الرهبوت
لا مال فأجمعه
ولا حلم فأذرعه
بي شهوة للأرض أطعمها دمي
و أسمو بالغناء ، ….!
… لا وقت لي
قد آن أن افنى قليلا !!
سأنشر موتي على الطرقاتِ
وأعلن أن الجنازة عابرة
فقفوا …!
سوف اطرق أبواب كل الشوارع
كل الشجر
أصيح بأن المسجى إلى قبره
لم يكن سيئا …
كان يطلب توضيحه
و يغني لنافذة مسخته غريبا
و ألقت بعكازه للقدر
سأذبح ديكا وأنشره في الطريق
واجعل من غربتي حانة و دفوفا
وراقصة من ذرى حزنها تتدلى
ومن أضلعي تنهمر…!

***

رحم الله شاعرنا الراحل عياش يحياوي الذي رحل عن عالمنا في مطلع عام ٢٠٢٠ م من شهر فبراير ، بعد رحلة عطاء و مسيرة ثقافية رائعة ، برغم الصراع مع المرض ، ليخلده الأدب بين سجل الخالدين دائما ٠
مع الوعد بلقاء متجدد لتغريدة الشعر العربي أن شاء

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق