دراسات و مقالات

” أفق المتوازيات في رواية ” عاشق التوأم “” / المدخل العقلاني

عبدالرحمن الصوفي

 

دراسة نقدية ذرائغية مستقطعة لرواية ” عاشق التوأم ” لمحمد بنجدي
عنوان الدراسة : ” أفق المتوازيات في رواية ” عاشق التوأم “” / المدخل العقلاني
الدراسة بقلم : عبدالرحمن الصوفي / المغرب
———————————————————————————————————————————

1 – مقدمة :

العمل الروائي لا يمكن أن يكون مجرد تجليات وانعكاس للوعي الجماعي وإنما هو بنية تصور لدرجة الجلاء والوضوح الفكري للاتجهات المختلفة الخاصة بوعي فئة بشرية متجانسة ومتناسقة . المقصود بالوعي كل الحركات التي تسعى إلى تكوين وبناء شكل من أشكال الاتزان والتكامل الفكري . هناك علاقة وطيدة بين كل عمل روائي والفكر الجماعي في كل مجتمع ، تحددها هوية المضمون . كل عمل روائي يحمل معه راهنية تاريخ سر وجوده الذي يجعله حاضرا وحركيا ومسافرا بين القراءات واللغات ، تفرض شرعيتها المرتكزة على الدهشة في التشخيص والكتابة والتعبير . الأدب بكل أجناسه ” هو مادة معرفية نظرية للنقد الذي يتأسس على الأدب ” ( عبدالفتاح كليطو ) . يتفوق النقد ويصبح مهما جدا في مراقبة الأدب وتوجيهه نحو المسلك الأرقى ، الذي يرتفع به المجتمع فكريا وثقافيا وجضاريا ، لذلك تقاس مهارة الناقد وسطوته النقدية بالجانب المخبوء من النصوص الأدبية أكثر من الجانب العيني أو البصري ( النظرية الذرائعية تعطي اهتماما كبيرا للبصري ) ، وهو ما يشير له جميع فلاسفة النقد ، كرد فعل أو اعتبار معاكس لما يفقده الأدب من مباشرته التعبيرية في الكتابة الأدبية .
لعل أول العناصر النقدية التي لا يختلف حولها الدارسون ، هو أنه لا يجوز النظر إلى الرواية على أنها عناصر تركيبية تتكون من الشكل والمضمون ، وهذا يعني أنه يمكن دراسة شكل الرواية بمعزل عن مضمونها . إن مفهوم الشكل الروائي لا يأتي من العدم بل هو يرتبط بالواقع الاجتماعي بقدر ما يرتبط بالعمل الفني الإبداعي ، فالمعطيات الاجتماعية لا تعيش منعزلة وبعيدة عن فكر الكاتب .

سنسلك في دراستنا النقدية الذرائعية المستقطعة ( المدخل العقلاني ) ( أفق المتوازيات ) في رواية ( عاشق التوأم ) لمحمد بنجدي ، ويتمحور أفق التوازي على كتاب ” الثالوت المحرم ” لكاتبه ” بوعلي ياسين ” ( 1)

ملاحظة :
دراسة نقدية ذرائعية مستقطعة ( المدخل العقلاني ) الجزء الأول لرواية ” عاشق التوأم ” ….أعرف أن قراءة الرواية بمدخل واحدا لن يعطي الرواية حقها لكنه يضع أسس دفاعات ذاتية كأرضية ومنطلق علمي لقراءتها في مداخل ذرائعية أخرى إن شاء الله .
…نطلب الله التوفيق

——————————————————————————————————————————–

2 – توطئة :

يقول عبدالرزاق عودة الغالبي في كتاب النظرية الذرائعية في التطبيق حول المدخل العقلاني / Mentalism Theory ” يري تشومسكي إعادة الاعتبار إلى القدرات العقلية التي تميز الإنسان دون غيره من الكائنات الأخرى ، فكل قلب بالفطرة صالح لمعرفة الحقائق ، وإن كان بينها تفاوت كبير لأنه أمر رباني شريف ، الفطرة إذا هي موجودة بوجود التفاوت بين الناس ، فالناس درجات في الفهم والاستيعاب ، منهم من يفهم من الوهلة الأولى في حين هناك من يحتاج إلى التكرار بالعرض ، فنظر تشومسكي بغقلانية مادية علمية للاكتساب النصي ، فلا يمكن أن يدخل العقل زائر معرفي ، إلا ويكون متكئا على أحد عناصر تلك النظرية ، تحتوي تلك النظرية الفكرية على عنصرين مهمين ، وهما عنصر الملكة المعرفية ، وتعني الموروثات المعرفية المكتسبة أصلا في ذهن المتلقي من معارف مسبقة طبيعية أو مكتسبة ، وقد تعلمها بالقصد أو بالدراسة أو التربية ، أو البداهة السلوكية والاكتساب المعرفي ، وتلك المعارف ستكون ساندة عقلانيا للمتتبع العلمي ، سواء أكان متعلما أو معلما أو ناقدا أو متلقيا ، أما النظرية الآخر فهو مهم جدا ، كبوابة للعقل في العرض لما اكتسبه من معارف ، وهو عنصر العرض التنفيذي أو الإنجاز ، وهنا يقوم الناقد بالتبحر في النقد من خلال تلك المعطيات ، وحين ينجز مهمة جمع المعلومات ووزنها ، يقوم بعرضها أو نشرها من خلال تلك البوابة الفكرية العقلانية ، ويغني ما لديه من أفكار بالخروج خارج النص من بوابة التناص الواسعة نحو أفق المتوازيات ، وتكون تلك العناصر الفكرية العلمية عونا مهما للناقد ، لتبليغ رسالته النقدية بشكل لا لبس أو خطأ أو شك أو ريبة ….” ( 2 )

——————————————————————————————————————————–

3 – المدخل البصري / رواية ” عاشق التوأم ”

* – من الغلاف إلى الخاتمة :

” عاشق التوأم ” رواية ل ” لمحمد بنجدي ” ، صدرت طبعتها الأولى سنة 2018 ، تضم 375 من الحجم المتوسط . تسير أحداثها بشكل متصاعد تبينه العناوين الصغرى الداخلية ، نذكر منها العنوان الأول ( انبعاث المخفي ) ، التي تضهر فيه ” ليلى ” كأول شخصية في الرواية ( فجأة قرع الباب بنقرات البيانو ، فتحت الخافق فوجدت ليلى تقف أمامي ملاكا …” . لماذا ليلى ؟ ومن هي ليلى ؟ ورد في لسان العرب لابن منظور : أم ليلى : الخمر والسواد ، وأم ليلى الخمر ولم يقيدوها بلون . قال : وليلى هي النشوة ، وهي ابتداء السكر ، وليلى من أسماء النساء …هو اسم امرة …فهل اسم ليلى رمز للحب ” حتى أن كلا يغني على ليلاه ؟؟؟ أم هي رمز لشيء لشيء آخر ؟؟؟ أم هي امرأة كلما حاول محبها الاقتراب منها ازدادت بياضا ؟؟ ولماذا تكرر اسم ليلى في شعر القدامى المحدثين وصارت كذلك شخصية في الكثير من الروايات ؟؟؟ . العناوين الصغرى الداخلية في الرواية تتصاعد عبر أرقام متصاعدة من الأصغر إلى الأكبر ( من 1 إلى 6 ) ( انبعاث المخفي ) . يتبع ( انبعاث المخفي ) ب ( وردة السماء ) و ( سجن الياسمين ) و ( في رحم الاختفاء روح …) و ( صحوة الأوركيدا ) و ( لسعة تزممارت ) الذي يتمفصل حول عدة عناوين صغرى أخرى ( اللسعة الأولى / اللسعة الثانية / شهقة الياسمين ) و ( انتقام وخنجر الأثير ) و ( بداية ونهاية ) و ( انكشاف الغطاء ) و ( أحلام وصرخة الأضداد ) و ( زلزال وألف بركان ) و ( في رحاب الجامعة ) و ( هوية الياسمين ) ، ( صراع من أجل البقاء ) …. نلاحظ أن العناوين الصغرى تتفاوت في عدد صفحاتها وترقيها التصاعدي . يختم ” محمد بنجدي ” روايته بما يلي : ” أيها الرائعون …سنكون الأوراق التي رسمها الأستاذ …نكون بإذن الله ذاك الشعاع الذي ارتضاه العقل ونبض الأنوار …نبتغي التعايش وتأسيس جسر الاختلاف …لن نكون دعاة إقصاء ولن نكون قضاة …نبعث الروح في المؤسسات ومحاربة الفساد …نعلم أن المسار طويل وأدوات الرفض كثيرة …لكن الفكرة ستنمو من خلالنا وخلال الأجيال القادمة ….”

* – لوحة الغلاف بالأبض والأسود / توأمان في ” عاشق التوأم ” .

* – الأسود :

– استغال الدين من الدولة والإسلام السياسي :

توضحت أسس النظام المغربي المعاصر لحظة مفاوضات ” إيكس ليبان ” ومنح المغرب استقالا مكن الاستعمار الفرنسي من حماية مصالحه الاقتصادية . استقلال أفرز تناقضات داخل مكونات الحركة الوطنية أدى إلى إسقاط حكومة ” عبدالله ابراهيم ” ، فاتقل الصراع على السلطة بين المؤسسة الملكية كحامية لمعاهدة والمعارضة اليسارية وجيش التحرير التي عارضت السيطرة الاستعمارية الجديدة ، وضع أطلق عليه سنوات ” الجمر والرصاص ” ( اعتقالات ومحاكمات صورية واستشهادات ) ، وخلاله خلقت أحزاب صورية مخزنية ، وامتدت هذه اللعبة كذلك في كل مرحلة من مراحل الصراع السياسي منها مرحلة ” حركة 20 فبراير ” التي مهدت الطريق لوصول حزب إسلامي إلى السلطة لمواصلة اللعبة ، ولم تكن النقابات العمالية والجامعات المغربية بمعزل عن هذا الصراع في كل محطاته التاريخية ، إذ عرفت بدرها تطاحنات كبيرة بين الفكر الحداثي التنوري والفكر الظلامي والتقابات الصفراء المخزنية . وضع جعل المشروع الحداثي التنويري يتعرض لانتكاسات سوداء متكررة . جاء في الوجهة الخلفية للغلاف : ” أصرخ والقيود تحتلني ، تسحبني نحو المجهول ، أخذوني إلى بيت كبير مهجور ، مغطى بالأشجار الكثيفة ، عالية عاتية ، أسمع صراخ المعتقلين السياسيين ، انسحب المكان وتغير الزمان فوجدتني معلقا بحبل مشدود نحو سقف السماء ، الزرقة والدموع ، والأرض حمراء ملطخة بالدماء ، في فمي أنبوب ماء واختناق ، الأوكسجين هارب عني ، أبحث فيه بقائي ، أستنجده احتضاني ، أمي تراءت أمامي ، تلبس ثوبا أبيضا والشيب غطى شعرها ، على خذها دمعتان وقطرة دم قديمة ، ما بين الاحمرار والسواد أغنية وحكاية ، في الرواية إيماءة زرقاء ترسم التجاعيد على أرض الصراع والبقاء ، شق بطني ، رأيت أحشائي وانتشار صراخي ، انقطع الحبل فسقطت أرضا ، عيناي شاردتان ، وامتداد أرضي ، حذاء قرب وجهي ، أسود يضرب صورتي ، أسناني تهشمت وعنقي انحنى انحناء الظل اليتيم ، انسحب المكان وحل الاخضرار ، حديقة ساحرة ونساء فاتنات ، يلبسن البياض ، يبتسمن ابتسامة السماء ، كأني فراشة زرقاء ، تحوم حول زهرة حمراء ، رحيق وشعيرات صفراء ، لا أرى جسدي ولا أرى ظلا ، روح أنا تحلق و سرب الحمام ” .

* – الأبيض :

– الديمقراطية – حقوق الإنسان – فكر تنويري حداثي :

التوافق والانتقال الديمقراطي شكل تراجعا للحركات التحررية والاشتراكية في العالم العربي والمغرب الذي نحت فيه الكتلة الوطنية منحى التغيير التدريجي بواسطة العمل داخل المؤسسات الرسمية ، مما ساهم في الافراج عن المعتقلين السياسيين ( تازممارت سنة 1991 ) ، وعاد ” الفقيه البصري من المنفى ، وبدأت تجربة الانتخاب الديقراطي التي بموجبها حدث توافق بين المؤسسة الملكية وأحزاب الكتلة الديقراطية ، أفرز هذا الوضع تعيين ” عبدالرحمن اليوسفي وزيرا أولا ( 1998 ) . مرحلة تميزت بتثبيت شرعية النظام ( دولة الحق والقانون ) ( إصلاح مدونة الأسرة ) ( تأسيس هيئة الانصاف والمصالحة ) . محطة 20 فبراير 2011 كانت تعبيرا عن إفلاس السياسات المخزنية في الميدان الاقتصادي والسياسي والاجتماعي . جاء في رواية عاشق التوأم ” : ” أطلق سراحي ، عدت إلى التدريس ، أزاول مهنتي كأستاذ للفلسفة ، ظلت تلك الأسماء تترنح أشواكا في أعماقي ، الفضول المعرفي والرغبة في الكشف عن المستوى في حادثة ميساء وفريد ، لست مقتنعا بالسر الذي حيك من قبل المؤسسات ، عذبت الفراشات أيام الفقراوي والبصراوي ، القهر والاضطهاد ، سنوات الرصاص والاستعباد ، لقد اصطادوا في الماء العكر ، فكان ما كان ، قال المناضل عبدالرحيم بوعبيد أحد قادة الاتحاد الوطني للقواة الشعبية ” …إننا في وقت خطير بالنسبة لبلادنا ، نلبي النداء …نتمنى أن يفهنا …وإني على يقين أنه طال الزمن أم قصر … فإنه سيتفاهم معنا دون نتيجة الآخرين … ” الصفحة 73 و 94 .
تمركز الفكر الحديث في المغرب على أسس قيم العقل والحرية والتقدم وقيم التنوير ذات مضمون دقيق وعميق كمشروع فكري وسياسي واقتصادي واجتماعي . لقد سعى معظم المفكرين في العالم العربي إلى إيجاد صيغ نهضوية تعود للتراث من أجل قراءة جديدة للتاريخ تنفتح نحو المستقبل ، وهذا طرح سؤالا إشكاليا ( أين تكمن أزمة العقل في إشكالية التنوير ؟؟ ) ( د . مراد وهبة ) . ( 3 )

* لوحة الغلاف والعنوان في رواية ” عاشق التوأم ”

لوحة الغلاف من تصميم الأستاذ ” مصطفى بالوط ” ، يوضح بياضها قضبان بوابة زنزانة ، ووسط السواد وجه امرأة يظهر مجهر عينها اليمنى . لوحة الغلاف تربط علاقة للرواية بالواقع الذي يتحرك نحو النص ، وتجعل كذلك النص يتحرك نحو الواقع مما يجعل العنوان ( عاشق التوأم ) أكثر إقناعا وحاملا التأثير المباشر في تلقي الصورة الروائية . ” الواقع يفرض نفسه في النص بوصفه قناعا لأنه لا يظهر بصورة مباشرة تجعلك تربط المتخيل بالواقعي أو تحيل الصورة المطروحة في النص إلى الواقع بوصفه مرجعية ، الواقع يطرح نفسه بقوة القناع لا بقوته هو ، فالواقع يعبر إلى منطقة الفن في صوره تؤهله للعمل بصورة أشد قرة على أن يكون دالا مكتسبا دلالة يفتقدها في سياقه الواقعي المباشر …” . ( 4 ) .
الإنسان بطبيعته متيم بالجمال أينما وجده عشقه ، وفي نفس الموضوع سئل الحلاج عن مذهبه فأجاب : ” العشق ” . إن هذا العشق يتوجه إلى الحقيقة المتعالية ( الحق والخلق ) .

يقول الحلاج في قصيدته ( عجبت منك ومني ) ( 5 )

عجبت منك ومني
يا منية المتمني
أدنيتني منك حتى
ظننتك أنك أني
وغبت في الوجد حتى
أفنيتني بك عني
يا نعمتي في حياتي
وراحتي بعد دفني
ما لي بغيرك أنس
من حيث خوفي وأمني
يا من رياض معاينة
قد حويت كل فني
وإن تمنيت شيئا
فأنت كل التمني

جاء في رواية ” عاشق التوأم ” : ” – كمال … يعشق كل امرأة تشبه انثاه …مجنون …لقد عشق امرأتين …هما وصال ومريم …لذلك قبلتك زوجة له دون اعتراض …رغم أني لم أقرع بابك قط ولا حاولت أن أتعرف عليك …”

——————————————————————————————————————————–

4 – السياسة والجنس في الرواية / ” عاشق التوأم ”

تبقى الرواية من أهم الأجناس الأدبية التي واكبت تحركات ” الربيع العربي ” التي لازالت حركاته الارتدادية تولزل بعض البلدان العربية ، ويمكن أن نذكر منها : ( رواية ” ورقات من دفتر الخوف ” لأبي بكر العيادي ) و ( رواية ” الانقلاب ” لمصطفى عبيد ” ) و ( رواية ” ثوة العرايا ” لمحمود أحمد ) و ( رواية ” كان الرئيس صديقي ” لعدنان فرزات ) و ( رواية ” مدينة لن تموت ” ليوسف الرفاعي ) و ( رواية ” عدو الشمس : البهلوان الذي صار عدوا ” لمحمد سعيد الريحاني ) و ( رواية ” أجندة سيد الأهل ” لأحمد صبري أبو الفتوح ) ….كل هذه الروايات وغيرها ركزت على الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ممتزجة بالخيال الروائي …وما سيلاحظه قراء هذه الرويات التي نشرت أنها جنست الثورات ، وجعلت منه بركانا تعبيريا وحراكا بلغة الجنس .
رواية ” عاشق التوأم ” لم تعالج ” الجنس ” بالطريقة التي عالجه بها ” أيمن الدبوسي ” التونسي في روايته ” انتصاب أسود ” ، وهي ذات مشاهد جنسية فاضحة ومنحطة ، بغرض الوصول إلى فكرة أن الثورة كسرت الأغلال ، وحطمت القيود المكممة للأفواه والسلوكيات ، أي أن ثورة الياسمين هي ثورة تناكح الثقافات والمشاعية الجنسية ( مشروع بشرت به سياسة ساركوزي الفرنسي ) .

نقتطف من رواية عاشق التوأم ” ما يلي :

” …عدت بفحولتي والإحساس برجولتي إلى حينا ، حي الكورس شارع الفوسفاط أحكي تفاصيل ذكورتي على جسد أنثى اسمها ” ربيعة ” الهاربة من قبيلتها بعد اغتصابها من قبل ابن عمها الجبان ، وهما يرعيان الغنم بعيدا عن الأنظار استدرجها بالكلام المعسول فذابت تحت شجرة الصفصاف ، انقض عليها الذئب بقوة المخالب والأنياب ، فض بكارتها وتركها لسرها الذي مزقها وأنين الأحشاء ، تزوج غيرها تاركا إياها تحمل سر حلمها ، هجرت أهلها بعدما بدأ البطن بالانتفاخ ، تشردت بين مدينة ومدينة ، مات ابنها الجنين جوعا ، صرخت بالشوارع صراخ البحث عن المنقذين ، لم تجد إلا الغاصبين الجسد البريء ، حاولت الاشتغال بمعمل السردين ، لكن لعنة التحرش الجنسي تلاحقها ، لم تجد سوى الدعارة مأوى لها ، حضن ” غيتا ” حضن أمها ، امتهنت الجنس بعمارتها بحي ” الكورس ” سمع الأصدقاء قوة فحولتي على جسد ، لم أدرك معاناته حتى نضج الفكر وارتقى الفهم إلى مراتب العقلاء ، كل يوم سبت أزورها لأقطف الفستق والرمان ، لا تطلب المقابل مني ، كانت تحاول إسعادي وتنفيس حرقة حرقة الجنس التي كانت تشوش أفكاري . كانت ” ربيعة ” تحكي لي كل أسرارها ومعاناتها ، طفولتها ومراهقتها ، أخبرتني محاولة اغتصابها من قبل عمها وفقيه قبيلتها ، حكايات مخيفة في القرى وفي الجبال ، تحت الحجر وخلف الأبواب …” الصفحة 46 و 47 .

يمكن تصنيف تجليات الجنس في رواية ” عاشق التوأم ” شبيهة بتجلياته في الروايات التي كتبت خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي أو قبيلهما ، وهي تحاول اختراق الممنوع متمردة على الثقافة العربية التقليدية رغبة في تحرير المرأة والرجل معا ، هذا النوع من التمرد نجده في رواية ” موسم الهجرة إلى الشمال ” و ” روائح ماري كلير ” و ” الخبز الحافي ” ….فرواية ” عاشق التوأم ” لا توضف الجنس بطريقة مجانية ، وإنما وظف فيها ليخدم سياق العمل الروائي كتيمة لا تقل أهمية عن السياسة والتاريخ وغيرهما ، لأن الرواية فضاء مفتوح غايته الكشف الإنساني والغوص بعمق في نفسيات الشخصيات . الاؤاث العربية لم تخل كتاباته السردية القديمة من الجنس ، نذكر منها : ” الروض العاطر في نزهة الخاطر ” و ” ألف ليلة وليلة ” وغيرهما . بالرغم أن الجنس على مستوى السرد لم يعد ممنوعا أو محرما إلا أنه مازال يثير الكثير من الجدل لدى الكثير من القراء نتيجة النظرة القاصرة وفتاوي التحليل والتحريم التي تشكل وعي الإنسان العربي .

” …لا أدري كيف ساقني الجنون إلى عالمها سقطت قصيدة على جسدها ، نسيت نفسي وعانقت الشيطان بإرادتي ، خائن أنا كاذب ، كيف أخفي غدري ؟ …كيف أحكي مع ليلى وأنا أرتدي قناعي ؟ …لا أستطيع الاستمرار معها ، وأنا أحمل في أحشائي غباء مساء سكران ، لن أكون إلا واضحا معها ، سأحكي أخطائي وعيوبي لها ، لست ملاكا أنا ، لكن لن أستطيع أن أفضح شيطاني حين ينهزم أمامي ، فتحت عيني بصعوبة كمن كان في حرب طاحنة ، تسربت أشعة الشمس من النافذة معلنة إيقاظنا من خطيئتنا ، أحلام نائمة ، تفاصيل جسدها ارتويت ، حققت لذتها في لحظة سكري اقتنصت طريدتي ، أرنب مشوي وسط الغابة ، عندما هممت بالخروج استيقظت تلاحق ظلي ….” الصفحة 195

إن الجنس في الكتابة الروائية والكتابة الأدبية عموما ليس سبة أو وصمة عار ، يقول الكاتب السعودي الراحل عبدالرحمن غازي القصيبي : ” على الكاتب أن يغذيني عقليا ، أو يثيرني جنسيا ، أو يضحكني ليكون أهلا لمجالستي ” . في كل عمل أدبي حامل لطبيعة إنسانية لا يمكن الابتعاد عن مقومات ومكونات الإنسان التي على أساسها هو مستمر في إعمار الكون عن طريق النسل . إن الجنس في الرواية ” عاشق التوأم ” هو ضرورة فنية ، استخدم كوسيلة لأغراض أخرى كالتشويق وكفواصل وسط خط درامي متصاعد .

——————————————————————————————————————————-

* – الديني والسياسي و الإسلام السياسي في الرواية ” عاشق التوأم ” .

رواية العصر الحالي لم تعد تطلب من الأسطورة أو الملحمة التعبير عن عالم منتظم ومتكامل ومغلق ، بل مستسلمة لمجرى التاريخ الذي يمنع البشر من أن يجدوا مرة أخرى النظام والتكامل اللذين فقدا إلى الأبد . فالرواية حسب رأي ” ستراوس ” تقص حكاية شخصية تبحث عن نظام متلائم ومتناغم مع نفسه . نجد رواية ” عاشق التوأم ” قدمت نقدا لعصرها ( قبيل استقلال المغرب إلى ما بعد ” الربيع العربي ” ، واستطاعت أن تصور الإنسان في مختلف جوانبه الشعورية واللاشعورية ، السياسية والمجتمعية والدينية ….

يقول ” جميل حمداوي ” في نوع الرواية السياسية والتخيل السياسي : ” نعني بالرواية السياسية تلك الرواية التي تنصب على مناقشة الأفكار السياسية وبرامج الأحزاب النظرية والعلمية ، وتحديد تصورات المذاهب السياسية وتبيان مواطن اختلافها وتشابهها ، مع رصد جدلية الصراع بين الحاكم والمحكوم والعامل مع أرباب وسائل الإنتاج ، واستجلاء الفكر النقابي والنضال السياسي وما يستتبعها من اعتقال وقع وقهر وحبس للمواطنين والمناضلين في الزنازن وسجون التعذيب والتطهير ….” ( 6 )

( خرج الجموع من الطلبة السوسيولوجين إلى حلقة الرجعيين والشيوعين ، يناظرونهم بالفكر تحت حماية العدد المخيف ، اهتز المضجع وصمت المخالف العنيد في سياقها العدد فيصل يحمي الأفكار وإن كانت من بول بعير ، أمة الأرقام والكم لن تنتج إلا الغباء القائم على مقدسات الحيتان ، البحر بحرهم والسماء والطيور ، غرباء نحن في أرضنا بعدما نهبنا أيادينا ورحنا نلوم ونتآمر على الآخرين ، في بلادنا أفاعي وتماسيح ، قالها رجل لما وصل السلطة عفى عن نفسه وعن المجتمع ، استغل الوضع فصعد المنصة فاستهوته الملايين ، الدولار والرحلات والغدق المبين ، قهر الشعب بعدما انتخب الجلادين ، أنهكو قفته ورعو سعر البنزين …مهزلة أضاعت اختيار الديمقراطيين …انسحب الشيوعيون كما الإسلاميون من حلقة السوسيولوجيين …تيار يبتغي …تفكيك الأصنام والأوثان …نزع القداسة عن الزعامات …فضح الابتسامات ولعبة الشعارات ….” الصفحة 311

نجد عمق رواية ” عاشق التوأم ” لمحمد بنجدي في فكر ” الحلاج ” الذي يرتكز فكره على وحدة كل ما في الوجود ، ولإدراك هذه الوحدة لا بد أن تتم إفناء ” الأنا أو ” الذات ” الفردية في ” الأنا ” أو ” الذات الكلية ، أو ما يسميه ” الحلاج ” ” ناسوتية الإنسان في لا هوتية الله ” . سأل أحد الحلاج : ” كيف الطريق إلى الله تعالى ؟ قال : الطريق بين اثنين وليس مع الله أحد ” . أي أن الله موجود في كل مكان ، ولا يوجد طريق للوصول إليه ، لأن الطريق يتطلب وجود اثنين وليس مع الله أحد .

عالجت الرواية استغلال الدين لأغراض سياسية مما أدى إلى تضارب سواء استغلته الدولة ، أي تبني شرعيتها على الدين ، أو بالنسبة للأحزاب ذات المرجعية الإسلامية ، والسبب هو أن الدين ينزع إلى القيم السامية المطلقة ، أما السياسة فطبيعتها المصلحة والتوافق والتسوية والنسبية والقابلية للتطور .

( حبيبتي …سجال فلسفي أنيق …النبشر والحفر العميق …متى نضمد جراح الذاكرة المثقلة بالأنين ؟؟ …متى يفرح المعتقلين السياسيين ؟؟؟ …متى تطوى هذه الحقبة السوداء ؟؟؟ … التي ضيعت عنا مشروع التحديث …متى يصير الشعب والنظام الملكي رحيقا للرياحين ؟؟… غطاء وسقف شعري …رداء ورمز نثري …عاشقان نحن في وطن مغربي …توأم تاريخي ونزوع نحو التجاوز والبناء الواقعي …ملكية وروح العصر التنويري …متى نعزف اللحن السرمدي ؟؟ …متى نرقص الرقص الأبدي ؟؟…في بيتنا فاسدون انتهازيون …في بيتنا مصاصو دماء وصوليون …في بيتنا ورود وأزهار مقموعة … أخاف على وطني من لعنة المتآمرين …أخاف على حبري من السجن والموت البطيء …أحب بلادي وعزف العقلانيين …أخاف أن لا يفقه قولي جهل الجاهلين …أخاف عليكم سحر الدجالين ….) الصفحة 101.

________________________________________________

_ في السيرة الذاتية :

محمد بنجدي أستاذ التريية الموسيقية بمؤسسة التفتح الفني والأدبي، سوس الانبعاث، أكادير إدوتنان.
حاصل على الإجازة في علم الاجتماع..
مؤلفات..
خمس دواوين شعرية..
١) ملهمتي
٢) لعلي ألقاك
٣) ليلى
٤) على محراب الرحاء
٤) امراة من دخان..
روايتان..
١)أحلام البوح
٢) عاشق التوأم..

________________________________________________

الجزء الأول …….. يتبع

عبدالرحمن الصوفي / المغرب
——————————————————————————————————————————–

– الهوامش :

1 – بوعلي ياسين / الثالوت المحرم
2 – النظرية الذرائعية في التطبيق / عبدالرزاق عودة الغالبي
3 – مصطفى الضبع / الواقع الموازي / دراسة في تقنات الحلم في سرديات نجيب محفوظ / 2006
4 – جونتان كولر / الشعرية البنيوية / ترجمة : السيد إمام / القاهرة 2002 / ص 66
5 – جيرالد برنس / قاموس السرديات / القاهرة 2003 / ص 126
6 – الرواية السياسية والتخييل السياسي / جميل الحمداوي / مقالة / diwanalarab .com

المصادر والمراجع :

1 – حسين مروة ( علاقة السياسة أديب في المجتمع العربي ) / الموقف الأدبي ( كتاب العرب ) / العدد 171
2 – صالح سليمان عبدالعظيم / سوسيولوجيا الرواية السياسية .
3 – د . سعيد علوش ( رواية الأطروحة والرواية المغربية ) / أقلام ، العراق / العدد 11

4 – حسن بحراوي / بنية الشكل الروائي : الفضاء ، الزمن ، الشخصية ، ط1 / 1990

Image may contain: one or more people and text
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق