قصة

دين قديم

ناصر محمد ناصر

توفيت أمي صباح هذا اليوم و المعزون توافدوا زرافات زرافات . جلس قليلا مع الناس و عندما قام لينصرف اقترب مني و قال : ثمة دين قديم بيننا .
طلبت من ابني أخذ مكاني في السرادق و مشيت مع سمان حارتنا الأشهر ( أبو راشد ) إلى أن ابتعدنا .
اخترت مكانا لا يرانا فيه أحد فيما كنت أرى الداخلين و الخارجين معا . رحت أنظر نحو ساعتي _ لأشعره بسماجة مطلبه _ و نحو السرادق خشية أن يأتي أحد الوجهاء و يذهب دون أن أسلم عليه .
رجل قصير القامة أشيب الشعر ، ضاحك العينين دائما لدرجة كنت أظنه _ في طفولتي و مطلع شبابي _ مخلوقا من عالم آخر فصوته خافت دائما رغم استفزازات المشترين التي لا تكاد تنتهي .
قال و قد لاحظ ضجري و تأففي : لن نتأخر .. هما كلمتان فقط ، قلت : تفضل .
قال و هو ينظر مباشرة في عيني و دون أن يرمش جفنه _ للمرة الأولى و منذ أن عرفته و وعيت وجوده يتحول أبو راشد إلى عملاق أمامي رغم أن طوله لا يزيد عن مائة و ستين سنتمتر _ : أتذكر يوم أتيتني منذ ثلاث سنوات و طلبت مني عدم منح والدتك ما تحتاجه من مواد غذائية و منظفات .
كاد قلبي يسقط بين قدمي و هو يذكرني بعمل لا أريد لأحد في الدنيا أن يعرفه .
قلت و أنا أزدرد ريقي بصعوبة و أتلعثم في الكلام : نعم أذكر .
قال : تابعت منح والدتك كل ما تريد من المواد ، و كنت أجلب لها الأشياء التي لا تتواجد عندي و أرسلها إليها ، قلت لها ابنك يسدد لي ثمنها بانتظام فاطلبي كل ما تريدين .
راحت الأفكار و الهواجس تدور في رأسي ، حاولت تفسير سلوك الرجل في إخفاء طلبي عن أمي و لماذا يحدثني الآن ، لعله يريد استرداد نقوده ، ثم ما أدراني أنه صادق ، لعله كاذب .
أخرجني أبو راشد من حيرتي و ارتباكي ، قال : جئت لأسترد ديني ، لا تخف لا أريد نقودا رغم أنني قد دونت و بكل دقة أسماء و أسعار المواد التي أخذتها طيلة هذه السنوات .
توقفت أمام السرادق سيارة فخمة نظرنا _ أنا و هو _ ناحيتها ، هي سيارة رفيق دراستي ( طارق ) و قد أصبح مساعدا لوزير الزراعة جاء لتعزيتي، شعرت لحظتها بالحنق على أبي راشد و تمنيت أن تنشق الأرض و تبتلعه أو يذهب و يتركني أتابع أيام العزاء بسلام .
قال و قد لاحظ انزعاجي : تريد الذهاب .. أعرف .
قلت محاولا قدر الإمكان ضبط أعصابي و الظهور بمظهر الرجل المهذب : نعم أرجوك .
نظر إلي ثم أطلق كتلة كبيرة من البصاق غسلت وجهي كله .
قال و هو يغادر المكان : قد استعدت الآن كل ما كان لي بذمتك .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق