قصة

تربُّص ريح

محمود روبي

في هدوءٍ تضع الأكواب، تعيد ترتيب ما تبعثر أثناء الليل، توزع إبتساماتها الرقيقة ثم تخرج.. تنطلق الأنًّات وتستعر بلا توقف، تصاحبها أنفاس متقطعة، وصيحات مبحوحة.. تَسابُق النداءات، وتداخُل الأصوات يكاد يصنع سيمفونية صاخبة؛ لكن “صاحبتنا” يجب أن تُعذر.. نحن أشبه بجثث ملقاة على أسرَّة فاخرة، مُتراصَّةٌ بإحكام، بينها ممرات متساوية تسمح بوجود الكراسي الكهربائية المتحركة والطاولات الخشبية الأنيقة التي تحمل الأدوية، الهواتف الذكية وزهريات الورد المُعطَّرة..

تُطل علينا كل صباح كشعاع لطيف قد نجح في اختراق الأفق المملوء بالسحب الرمادية الكثيفة، قادما إلينا من الشمس التي يصعُب أن ترانا.. يتسلل إلينا في صمت، يعانق أجسادنا المتجمدة؛ فيحركها ويشعرها بالدفء المفقود، ويبعث فيها الرغبة الغائبة في البقاء –لذلك سميتُها “حياة”، ولعلها فرصة للتخلص من التلعثم المتكرر عند نطق اسمها الصعب..

تبلغ من العمر ثلاثين عاما، لكنها تبدو أصغر قليلاً.. ذات ملامح آسيوية هادئة.. لا يوجد فوارق لافتة بينها وبين الأخريات؛ غير أنها أسرعهن إجابة لطلباتي، وأكثرهن تحمُلاً لسخافاتي.. ولا أدري إن كان ذلك لكوني أشاركها لون بشرتها القمحي واتساع حدقتيّ عينيها، أم لسبب أخر!

على أية حال “الفتاة” لا تسأم أو تتضجر من كثرة الطلبات، بل وتكرارها أحيانا دون داعٍ.. أعتقدت أن ذلك يرجع لتعليمات الإدارة الصَّارمة، أو ربما لجودة التدريب التي حصلت عليه قبل الإلتحاق بوظيفة شاقة كتلك، خاصة أن النزلاء من الأثرياء، القادرين على دفع قيمة هذا النوع من الرعاية الفائقة؛ لكن سرعان ما تزعزع لديَّ هذا الإعتقاد بعدما رأيت الحال يتبدل، والكآبة تحل حين تغيب: كان الدفء يتسرب من أجسامنا، ويضيق عنبرنا الواسع ويتحول إلى ما يشبه مقبرة جماعية..

وبينما كان يستلبني الملل اللعين؛ كنت أحاول الفكاك منه بأن أفتح صندوق ذكرياتي المكتظ بالحكايات المثيرة: أسترجع أرشيف الماضي.. أتعجب كيف كنت بطلًا لسلسلة طويلة من المشاهد الحقيرة.. أسرد نزواتي المخجلة بدقة، ودون إيجاز؛ وهم ينصتون في استمتاع، رافعين إبهامهم إعجابًا؛ وكثيرًا ما يتذمرون إن حاولت الهروب إلى حديث آخر؛ يُصوِّبون إليَّ سبَّاباتهم في حركات دائرية لأواصل..

أحيانًا تنهض رأس جثة من فوق وسادتها؛ تقاطعني وتكمل هى بقية إحدى القصص، وتضع لها النهاية التي تتوقعها، ثم تعود لموضعها.. أقبل ذلك مرة وأرفضه أخرى، ولكنَّي رغم الضغوط المستمرة؛ إلا أنني أبقيت على احترام العهد –لأول مرة- بيني وبين نفسي بأن أظل صامدًا، محتفظا بتفاصيل أكثر مغامراتي قبحًا ونذالة..

وكنَّا قد تعوَّدنا أن تختفي “حياة” لبضع ساعات، مرة من كل إسبوع.. ومما كان يثير الإنتباه؛ أنها كانت ترجع بوجه غير الذي ذهبت به.. ومع ذلك كانت دائمًا تقاوم شعورها المتوتر بأن تراوغ بلطف، فلا تفصح عن شئ؛ لكنها رغم الإلحاح الشديد، لم تُبد انزعاجًا أو تبرز تبرمًا.. وقد أصبح ذلك الأمر مثارًا لنسج القصص من وحي الخيال بين الجميع..

ذات يوم -وكان الطقس مضطربًا والريح غاضبة- طال غياب “حياة” وقد بدأت الجثث تتثائب.. وعادة كنت لا أغفو حتى أطمئن أنها عادت.. تساءلتُ مكتئبًا: هل عادت حياة؟ ضحكت مازحة: يبدو أنك تُحِبُّها.. فهى تشبهك. صِحت بوجهها غاضبا: أين حياة؟! فأجابت ممتعضة: لا أعرف.. وانصرفت على الفور..

ظلت الريح متربٍّصة، وكلما هاجمت النافذة المعلقة فوق رأسي؛ تشبثت بالغطاء وجذبته إلى وجهي الذي أضحى مثل خريطة بالية.. ومع ذلك أسمع صدى أزيزها المخيف في جسدي الذي صار مرتعا لهجماتها المتلاحقة.. وكنت دائما على يقين بأنه في لحظة وشيكة، ستنجح في اختراق الموانع، والوصول اليَّ فتصعقني، وتنثرني في الهواء؛ فأصير هباءً.. أصبح ماضٍ تتأفف “حياة” من ذكره..

======

الفائزة بمسابقة قصص على الهواء عدد يونيو 2019 بمجلة (العربي الكويتية) بالتعاون مع إذاعة (مونت كارلو الدولية)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق