قصة

رائحةُ الموتِ

عزيز فيالة

فزع من خوف، ربما يحدث فى أية لحظة، فكرت أن أمضى هذه الليلة عند أحد أقاربى أو أقاربها، وفى الصباح أغادر هذا المكان، لأتخلص من هذه الرائحة! ليل طويل، وفجر بعيد. خوف، وانتظار، وترقب. . انفرجت “دلفتى الدولاب” وتمدد الكائن أمامى وتشعب ناحيتى مدت يدها. سحبت الملاءة متخفيًا، وانكمشت، تسللت داخلى، خلف الستائر، فى الحمام خطواتها تلاصق خطواتى، استنشقها. . . فى كل مكان أبحث عنها بها أعود. شاهدت الموت لنفسى، وللموت رائحة أعرفها جيدًا ولا يعرفها غيرى. . صرعتها سيارة وهى تعبر الطريق. كانت معى منذ ساعة، نتحدث عن الماضى والحاضر والمستقبل. صدرها يتسع باتساع الأفق كطائر يحملك على جناحيه ويحلق بك إلى عالم جميل يحتويك. ضحكتها أرواح جميلة ترفرف حولك ثم تضمك، تطهرك لتكون إنسانًا ملائكيًا. الشعر جدائل من حرير. تعشقه حين تراه. العينان بيتان بيتا للرب، والآخر بستان.
منذ ساعة كانت معى سمعت الخبر كالصاعقة لم أصدق، رمحت إلى المستشفى، كل الأقارب والأصدقاء الذين يعرفونها ينتحبون هناك، النساء يولولن ويلطمن الخدود، الرجال يبكون كما لم يبكوا من قبل. لم تسقط من عينى دمعة، ليس يقين، أرى بعينى، كانت معى منذ ساعة امرأة تحمل لُفافة من القماش الأبيض تحت إبطها، وتخطوا فى اتجاه المشرحة، ومعها المساعد المسئول عن الموتى. أنا الوحيد من بين الأصدقاء، مشيت خلفهما أرى بعينى حتى أقسم. كانت معى. رغم قرب المسافة أشعر كأنى مشيتها فى سنوات عمرى كله، وكأنه كابوس” يطاردك عدو لك، تجرى وهو خلفك، وإذا لمسك فتك بك، وتشعر بأنك تعود إلى الخلف، وليس بينك وبينه سوى ذراع، وأنت تحاول التملص منه بكل ما أوتيت!” فتح المساعد الباب وأشعل المصباح، وأنا خلفه والمرأة التى سوف تقوم بالغسل والتكفين . تجلدت تجردت من مشاعرى، وهيئت نفسى لأى مشهد مهما كانت قسوته. كانت معى منذ ساعة، بل طرفة عين. أول مرة أدخل هذا المكان، لأى سبب من الأسباب، لا أحاول الاقتراب منه، حتى من جنب الجدار لا أمشى يتملكنى الرعب وتركبنى العفاريت جذب المساعد باب الثلاجة، وشد رف من بين الرفوف المستطيلة بطول الجثة، ثم أدخله ثانية وقال:
مش دى، وآخر ولا ده ثم قال: أيوه دى.
ساعدته فى وضعها على خشبة الغسل. الجسد بارد، الوجه أصفر باهت. لأول مرة فى حياتى أشاهد ما شاهدت!! هل هو حلم، أم كابوس، أم حقيقة؟! لا. لا ليست- هى، الأنف والأذن يتسرب منهما الدماء، وبقع من الدم على ملابسى ويدى. الشعر تبدل لونه، والعينان مواربتين وبهما بياض مخيف. مخيف. . لا. لا. صراخ مكتوم وبكاء داخلى. لا أعرفها. لا أعرفها، لم أرها من قبل. . !!
حبيبتى عيناها جميلتان، ووجها شرقى، وضحكتها بلسم، ليس لها مثيل . . دفنت وجهى فى كفى، يكفينى ما رأيت رائحة غريبة سكنت أنفى، لم أشمها من قبل. . خرجت إلى الشارع أجرى والدم عالق بملابسى ويدى . أطرق الأبواب، أجرى فى الطرقات، والميادين، والإشارات أفتش السيارات. أبحث عن المجنون الذى إغتال حبيبتى لعلى أجدها، تطهرنى من هذه الرائحة، رائحة الموت. .
______________________________________________

الكاتب :عزيز فيالة / مصر

Image may contain: 3 people, people standing, people sitting, hat, child, tree and outdoor
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق