دراسات و مقالات

قصيدة الكوليرا – نازك الملائكة

السعيد عبد العاطي مبارك – الفايد 

” مع ثلاثية الموت : الموت .. الموت .. الموت “
سكَن الليلُ
أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ
في عُمْق الظلمةِ, تحتَ الصمتِ, على الأمواتْ
صَرخَاتٌ تعلو, تضطربُ
حزنٌ يتدفقُ, يلتهبُ
يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ
في كل فؤادٍ غليانُ
في الكوخِ الساكنِ أحزانُ
في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ
في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ
هذا ما قد مَزّقَهُ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
— 
الكوليرا
في كَهْفِ الرُّعْب مع الأشلاءْ
في صمْت الأبدِ القاسي حيثُ الموتُ دواءْ
استيقظَ داءُ الكوليرا
حقْدًا يتدفّقُ موْتورا
هبطَ الوادي المرِحَ الوُضّاءْ
يصرخُ مضطربًا مجنونا
لا يسمَعُ صوتَ الباكينا
في كلِّ مكانٍ خلَّفَ مخلبُهُ أصداءْ
في كوخ الفلاّحة في البيتْ
لا شيءَ سوى صرَخات الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ

————- 

يا مصرُ شعوري مزَّقَهُ ما فعلَ الموتْ !! 
ففي نفس العام الذي وقعت فيه وباء الكوليرا في مصر عام 1947 م ، فقد وقعت ثورة في العراق. 
و تتعدد ثلاثية الموت من خلال البعد عند نازك الملائكة بأنواعها تتكرر فتحصد الأرواح و الأشلاء في الطرقات ، حيث تحمل القصيدة دلالات و اتجاهات عن طرق كثيرة تكون النهاية للانسان من مرض غربة فقر جهل حرب صراعات طبقات … هلم جرا !!.
مع نازك الملائكة رائدة التجديد شكلا و مضمونا : 
———————————————– 
( أنا )
الليلُ يسألُ من أنا
أنا سرُّهُ القلقُ العميقُ الأسودُ
أنا صمتُهُ المتمرِّدُ
قنّعتُ كنهي بالسكونْ
ولففتُ قلبي بالظنونْ
وبقيتُ ساهمةً هنا
أرنو وتسألني القرونْ
أنا من أكون?
والريحُ تسأل من أنا
أنا روحُها الحيران أنكرني الزمانْ
أنا مثلها في لا مكان
نبقى نسيرُ ولا انتهاءْ
نبقى نمرُّ ولا بقاءْ
فإذا بلغنا المُنْحَنى
خلناهُ خاتمةَ الشقاءْ
فإِذا فضاءْ!

ولدت الشاعرة والناقدة والأديبة العراقية عاشقة الليل و رائدة التجديد نازك الملائكة ببغداد العراق . 
و تعتبر من أبرز الأديبات العربيات اللواتي تركن بصمة واضحة في الأدب العربي. 
فهي ربيبة الأدب وابنته فوالدتها الشاعرة سلمى عبد الرزاق وأبيها الباحث صادق الملائكة.

امتازت نازك بامتلاك روح التحدي والتمرد على القوانين الأدبية التي تمثلت بتحطيمها لعمود الشعر وكتابتها للقصائد على النمط الحر. 
فعلى الرغم من الاختلاف بينها وبين بدر شاكر السياب صاحب قصيدة ” هل كان حبا ” بخصوص السبق بتحطيم عمود الشعر و تم نشرهما عام 1947 م ، إلا أن قصيدة نازك الملائكة المعروفة باسم قصيدة ” الكوليرا ” تعتبر أرهاصات و بدايات لبوكير أول قصيدة تكتب على الوزن الحر في الأدب العربي. 
مع وجود نماذج أخري سابقة في مصر و الشام و اليمن : أبو شادي و محمد فريد أبو حديد ، و الشرنوبي ، و محمود حسن اسماعيل ، و عبد الرحمن الشرقاوي ، و باكثير و لويس عوض و أحمد مطلوب ، و خليل شيبوب و بديع حقي و غيرهم كثيرون … 
الا أن نازك الملائكة في محاولات التجديد أمست لها دورا رياديا مع هؤلاء الذين حملوا لواء التجديد شكلا و مضمونا . 
و يظهر هذا جليا في مقدمة كتاب قضايا الشعر المعاصر لنازك خلال انصاف زوجها الباحث الدكتور عبد الهادي محبوبة عندما قدم الكتاب بموضوعية و امانة علمية – 
و من ثم لم نبخس نحن مدي اسهامات نازك في ترسيخ التجربة مع بدايات قصيدة ( الكوليرا ) عام 1947 م كتجربة ذاتية ناضجة كتب لها الشيوع و الذيوع مع شعر التفعيلة – الحر – من خلال المدرسة الواقعية !! .
وبذلك تكون قصيدة الكوليرا متميزة من حيث التركيب واللغة والمعنى الذي تحتويه.
الشعر ومنذ بداياته الأولى كان وسيلة للتعبير عن خبايا النفس الإنسانية عن طريق امتزاج الكلمات والأوزان لتخلق لنا صورة ومعنى ضمن إطار وحدود النص.

فسواء كانت القصيدة رمزية أو رومانسية أو حتى كلاسيكية فهي تستخدم الصور والتعابير للوصول إلى المعنى الحقيقي الذي يقصده الشاعر وهذا ما عمدت إليه نازك الملائكة في قصيدتها الكوليرا.

مع روح قصيدة الكوليرا و التجديد بكل المعايير و المقاييس الفنية : 
———————————————————— 
قد طالعت نازك الملائكة قصيدة ” الحمي – للمتنبي ” من خلال ثقافتها فظل مخزونها يراودها حتي حانت الفرصة فوظفتها يوم الكوليرا ، و يوم ثورة العراق ، و الشعر المرسل الحر التفعيلة ميلاد من رحم الموت … 
و لم لا فهي انتفاضة ضد ثلاثية الموت بكافة أطيافه المادية و المعنوية في موسم الحصاد …
ففي هذه القصيدة لم تعد الكوليرا مرضا كما نعرفه جميعنا هي رمز لشيء آخر أرادت الشاعرة أن تصل إليه من خلال استخدام الكوليرا كرمز للتعبير عن الصورة الحقيقة التي أرادت للقارئ أن يضعها في مخيلته. 
ومن هذا المنطلق أصبح النص الأدبي حمال أوجه وتفاسير حالات كثيرة محسوسة و معنوية .
و من ثم رسمت الشاعرة نازك الملائكة للقارئ صورة مادية ليضعها في مخيلته من خلال كتابتها للقصيدة. ففي القصيدة تخاطب نازك الملائكة شخصا ما ربما يكون المتلقي نفسه. 
فهي تكرر في أكثر من مكان كلمات كأصغ واسمع ولا تحص. 
كما أن نازك رسمت صورة قاتمة سوداوية للمدينة التي غزاها المرض. فالليل هادئ والصمت سائد ولا شيء يسمع سوى صوت المرضى وأنينهم وأصوات التكبير على جثث الموتى. لكن نازك تعود لترسم صورة الماضي لهذه المدينة فهي وادٍ مرحٍ وضاء تسلل له الموت على هيئة المرض ليفتك بالجميع بلا استثناء ولا فرق عنده بين طفل وشيخ وامرأة.
ومن ناحية المعنى فقصيدة الكوليرا كأي عمل أدبي آخر تحمل التفسير على عدة وجوه ومحامل. فإن أردنا تحليلها تحليلاً سطحيا فسنحصل على معنى وإذا تعمقنا وأمعنا النظر بالنص جيداً فسنحصل على تفسير آخر مغاير لتفسيرنا الأول. 
فالكوليرا التي تحدثت عنها نازك في قصيدتها هي ذلك الوباء الذي يفتك بالبشرية لا يفرق فيها بين طفل وشيخ وبين امرأة ورجل. إن أردنا أخذه بمعناه السطحي، فنازك الملائكة تتكلم عن الوباء الذي انتشر في مصر في عام 1947. 
الوباء الذي قتل البشر وأهلك الحرث والنسل وأحدث الخراب وسبب الآلام للعديد من الأشخاص.

ففي نفس العام الذي وقعت فيه الكوليرا في مصر فقد وقعت ثورة في العراق. 
موت يقتل في مصر وثورة في العراق تناضل لبدء حياة جديدة. كلاهما موت بالنسبة لنازك فموت للخلاص من مرض جسدي وموت نظام سياسي مريض ليأتي نظام آخر يختلف عنه. فربما أرادت نازك التأكيد على أن النظام السياسي القديم قد أصابه مرض الكوليرا أيضاً وعلى الرغم من ذلك فلا يمكننا الجزم بما إذا كانت نازك تعني بالكوليرا النظام القديم أم الجديد لكن فكلا الحالتان فكلاهما يحصدان موت وخراب.
كررت نازك وأكدت في أكثر من مكان في قصيدتها على الألم ووجوده وانتشاره بين الجميع. فسواء كان هذا الألم والأنين هو أنين مرضى مصر أو أنين الشعب الذي يعاني من الأنظمة السياسية في العراق فلا فرق بينهما. فالوادي المرح الوضاء قد يكون وادي النيل وقد يكون وادي الرافدين.
لا فرق فكلاهما يبحثان عن الخلاص والراحة من الألم. 
فلكلى الطرفين يكون الموت دواء كما قالت نازك الملائكة. فكما الجميع يعرف أن الكوليرا في السابق كان علاجها صعب فالموت لصاحبها هو الدواء وموت نظام سياسي فاسد هو الدواء والعلاج لمعاناة البشرية.

و قد فصلت بين مقطع وآخر في القصيدة بثلاثية “الموت الموت الموت” هذا التكرار لهذه المفردة لا بد من أنه يهدف إلى شيء ما عنته الشاعرة. 
و الشاعرة خلقت هذه الثلاثية لتخلق بها مؤثرات صوتية ليكون كصوت إطلاق النار على محتضر أو ضحية. 
فسواء كانت هذه الضحية ضحية لمرض الكوليرا أم ضحية للثورة فهي تواجه الموت إما بأنين أو بالرصاص وكلا الحالتان تجسدان مرارة و لوعة الفراق و كآبة المنظر الرهيب . 
قصيدة الكوليرا قصيدة رمزية مازال صدها ثورة و نبوءة شعرية طليقة نستلهم منها الكثير و الكثير هكذا .

تقول نازك الملائكة في قصيدتها المتفردة بعنوان ( الكوليرا ) التي تصف لنا حجم المأساة و المعاناة من خلال رؤيتها لهذا العالم الذي أصيب بكارثة و ظاهرة هذا المرض اللعين فتنطلق مع الليل و الموت و الأشلاء و السكن و الظلمات … :
سكَن الليلُ
أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ
في عُمْق الظلمةِ, تحتَ الصمتِ, على الأمواتْ
صَرخَاتٌ تعلو, تضطربُ
حزنٌ يتدفقُ, يلتهبُ
يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ
في كل فؤادٍ غليانُ
في الكوخِ الساكنِ أحزانُ
في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ
في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ
هذا ما قد مَزّقَهُ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
يا حُزْنَ النيلِ الصارخِ مما فعلَ الموتْ
طَلَع الفجرُ
أصغِ إلى وَقْع خُطَى الماشينْ
في صمتِ الفجْر, أصِخْ, انظُرْ ركبَ الباكين
عشرةُ أمواتٍ, عشرونا
لا تُحْصِ أصِخْ للباكينا
اسمعْ صوتَ الطِّفْل المسكين
مَوْتَى, مَوْتَى, ضاعَ العددُ
مَوْتَى, موتَى, لم يَبْقَ غَدُ
في كلِّ مكانٍ جَسَدٌ يندُبُه محزونْ
لا لحظَةَ إخلادٍ لا صَمْتْ
هذا ما فعلتْ كفُّ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
تشكو البشريّةُ تشكو ما يرتكبُ الموتْ
الكوليرا
في كَهْفِ الرُّعْب مع الأشلاءْ
في صمْت الأبدِ القاسي حيثُ الموتُ دواءْ
استيقظَ داءُ الكوليرا
حقْدًا يتدفّقُ موْتورا
هبطَ الوادي المرِحَ الوُضّاءْ
يصرخُ مضطربًا مجنونا
لا يسمَعُ صوتَ الباكينا
في كلِّ مكانٍ خلَّفَ مخلبُهُ أصداءْ
في كوخ الفلاّحة في البيتْ
لا شيءَ سوى صرَخات الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
في شخص الكوليرا القاسي ينتقمُ الموتْ
الصمتُ مريرْ
لا شيءَ سوى رجْعِ التكبيرْ
حتّى حَفّارُ القبر ثَوَى لم يبقَ نَصِيرْ
الجامعُ ماتَ مؤذّنُهُ
الميّتُ من سيؤبّنُهُ
لم يبقَ سوى نوْحٍ وزفيرْ
الطفلُ بلا أمٍّ وأبِ
يبكي من قلبٍ ملتهِبِ
وغدًا لا شكَّ سيلقفُهُ الداءُ الشرّيرْ
يا شبَحَ الهيْضة ما أبقيتْ
لا شيءَ سوى أحزانِ الموتْ
الموتُ, الموتُ, الموتْ
يا مصرُ شعوري مزَّقَهُ ما فعلَ الموتْ

هذه كانت اطلالة علي عالم نازك الملائكة الشاعرة و الناقد العراقية عاشقة الليل و التجديد نسافر معها عبر ملحمة قصيدة ” الكوليرا ” عام 1947 م حيث تناولت ثلاثية الموت و الصمت و الثورة في مسار الحياة دائما 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق