دراسات و مقالات

الأدب والانتحار

عبدُه الصلاحي

منذ نشأة الأدب الإغريقي وفكرة الصراع مع القدر هي الفكرة المسيطرة على ذهن الكُتَّاب. صراع البطل مع القدر الذي يجعل العقاب أو الموت نتيجة حتمية لمحاولة التمرد عليه.

يذكر هوميروس -الشاعر الإغريقي الشهير- أن الانتحار عمل مقبول يقره المنطق كردة فعل تسقط فيها كل الخيارات حين تواجهك صدمة كارثية لا يمكن لك أن تتقبلها.

كان كلامه مبررا لانتحار (جاكستا) التي تزوجت (أوديب) وأنجبت منه أربعة أطفال ثم اكتشفت مؤخرًا بإن أوديب هو ابنها فقررت الانتحار بفعل تلك الصدمة غير المتوقعة وفقا لماتقوله الأسطورة في (الأوديسية).

تناسلت الفكرة بعد ذلك في الأدب الأوربي فعلى سبيل المثال نجد أن وليم شكسبير يتحدث على لسان (كاسيوس) -الذي مات منتحرا- في التراجيديا الرومانية (يوليوس قيصر) فيقول: ” إن المرء الذي يموت قبل عشرين عاما من أجله، إنما يختصر مده خوفه من الموت بنفس العدد من السنين”
كان كلامه تعبيرا عن هاجس الخوف من الموت الذي يعتري الإنسان طيلة حياته.

ويرى (فريدريك نيتشه) أن على الإنسان أن يجعل من موته عيدًا فيختار هو لحظاته ، موعده، وشكله، ولا يترك للموت المفاجئ والقدر أن يخطفا منه هذا الاختيار الإيجابي الجميل.

أما الشاعر الفرنسي (شارل بودلير) فقد قال: “سوف أقتل نفسي غير آبه على الحياة، سأنتحر لأنني لم أعد قادرا على البقاء، لقدتعبت من النوم والاستيقاظ كل صباح، أريد أن أنام مرة واحدة إلى الأبد.”

في الحقيقة تعطينا الكتابة هامش من الحرية؛ ذلك أن الخيال واقع حر بلا قيود تستطيع من خلاله صنع عالم جميل ربما عجز الواقع عن تحقيقه.

عندما يفكر الكاتب في كتابة قصة أو رواية فهو يتقمص دور البطولة أحيانا وإن كان الحوار في الغالب بلسان الغائب إلا أنه يحرص على أن يكون حرا في خياله يجعل من أبطاله عجينة يشكلها كيف يشاء يختار لهم قدرهم ويشبع حياتهم من المعاناة مايحلو له ثم يختار لهم النهاية التي يريدها. ذلك أن كل شخص منا بداخله آلهة صامتة يخفيها عن الآخرين وإن كانت بعض سلوكياته توحي بذلك إلا أن الكاتب يبرز جانبا من سماتها يسقطه على أبطال روايته.

أن تجعل أبطالك يعيشون في خيال باذخ الرفاهية وأن تصنع من روايتك أسطورة لغوية تحشوها بعاطفة متدفقة ثم تحرص على أن تحمل خاتمة سعيدة فأنت في الغالب تشكو من عوز مخفي وعاطفة متصحرة ذلك أننا نشهر حلمنا في وجه الخيال هروبا من واقع بائس.

ما الكتابة إلا خدعة لغوية مصطنعة وانتحال عاطفي لخيال يتقن فن الاستمالة نحرص من خلالها على تسويق تلك الخدعة على صهوة (تراجيديا) مؤثرة نجعل القارئ يتلمس ذاك الوجع الحبري بأنامل شفاهه ليجد نفسه في النهاية متعاطفا مع بطل الرواية حد البكاء.

لا توجد رواية حقيقة بحتة لاتخلو من المبالغة بل يوجد خيال جميل استطاع أن يصور الأحداث بشكل يجعلها تبدو وكأنها أقرب إلى الحقيقة.

كل رواية لا تستطيع أحداثها أن ترفع مستوى الأدرينالين في دمك فهي رواية فاشلة وكل رواية تتعرى أحداثها إلى درجة تجعل قارئها يتوقع خاتمتها مسبقا فهي رواية ماجنة ذلك أن الروايات كالنساء لا أجمل من رواية تصيبك بالدوار رواية مراوغة تقف في منتصف تلك النقطة الفارقة من التستر والتعري.

يلجأ الكاتب في بعض الأحيان إلى أن يميت بطل قصته بالطريقة التي تميل إليها عاطفته لا لسبب غير أنه اشتهى ذلك…ربما رأى أنه تعبير صامت عن وجع دفين يسكن داخل ذواتنا لكننا نخشى الافصاح عنه حتى أنه يحزن كثيرا على تلك الخاتمة التي اختارها له لكنها شهوة الخيال هكذا يطفئها.

نجد مثلا في الأدب العربي قصة “هروب البطل من النص” للكاتب محمد الرطيان يقول فيها على لسان بطل القصة: “وعند الصفحة 127 قررت أن أهرب من الرواية…ولكن من الذي قال له أن يختارني أنا تحديدا بين أكثر من 20 مليون مواطن لأكون بطلا لروايته؟!…كنت أرى أن الأحداث تتجه لنهايتي، وأن الحبكة تستدعي موتي… هل كان سيقتلني دهسا بسيارة مسرعة يقودها (كومبارس) مجهول دوره الوحيد هو أن يدهسني؟…أم أن عقله الروائي المريض كان سيدفعني إلى الانتحار ؟!”
ليختم كلامه بقوله: “وعند الصفحة 128 قتلني.”

هناك نقطة في القصة تجعل كاتبها يذرف الدمع شفقة على بطل قصته حتى أنه ليصاب بالوجع وهو يكتب قدره بتلك الطريقة المؤلمة وماذلك إلا انتحار خفي للذات على حافة ورقة غرقا بين لجة الحبر.

وبعد بحث وقراءة في هذا الموضوع وربط الأسباب الخفية سيكيلوجيا والتي تجعل شعراء وأدباء عالميين ينهون حياتهم بالانتحار تبين أنها كانت في الدرجة الأولى انعكاسا لما يقدمونه من أدب اتسم بالتشاؤم والسوداوية نتيجة مرض الهوس الاكتئابي أو الاضطراب ثنائي القطب -مع تجاهل الأسباب المادية والعاطفية هنا- فنجد مثلا أن الكاتبة المسرحية البريطانية (سارة كين) والتي غلب على كتاباتها المسرحية طابع السخط على الحياة، والنظرة البغيضة للأشياء، والتشاؤم المبالغ فقد كتبت في مسرحيتها ذهان 4:48 ” أنا أكتب الحقيقة وهذا مايقتلني، سأشنق نفسي على أنفاس حبيبي في تمام الرابعة وثماني وأربعين دقيقة.
-هل أعددت خططا ما؟
تعاطيت جرعة زائدة وجرحت معصمي ثم شنقت نفسي…الخ”
وبعد فترة قصيرة من إتمام تلك المسرحية ذهان 4:48 وجدت ميتة بعد أن شنقت نفسها.

أما الكاتب الأمريكي إرنست هيمنغواي الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عن روايته (العجوز والبحر) فقد عمد إلى إنهاء حياته منتحرا بإطلاق رصاصة من بندقيته على رأسه.

كما فعل تماما الكاتب الروسي فلاديمير مايا كوفسكي وكذلك الشاعرة الأمريكية سيليفيا بلاث والكاتب الياباني يوكوماشيما وغيرهم الكثير الكثير.
—————————-

المراجع:
-يوليوس قيصر لشكسبير.
-الأوديسية لهومر.
-وضع حد لفرانك بيجو.
-ويكبيديا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق