قصة

نص وتعليق

د.إيهاب بدوي و د. جيني فؤاد

النص:
( احترفت التأمل حتى صارت عادتي. خلف كل وجه قصة درامية خيالية. اليوم جلست على شاطئ البحر كعادة العصاري أترقب الخطوات المتحركة والوجوه وما خلفها. لفت انتباهي طائر رقيق يشبه النورس يجلس بالقرب مني. ظللت أنظر إليه وهو مطرق إلى الأرض لا يتحرك. ظننته يعاني من مرض ما. اقتربت منه فلم يتحرك. وضعت يدي على رأسه أربت عليه ففوجئت برد فعل عنيف جدا أدى إلى جرح عميق في يدي من منقاره الحاد. صرخت من الألم واندفعت إلى الخلف فاصطدمت بالمقعد الحجري لتزداد آلامي. نظرت إليه في غضب فوجدته ينظر لي في غضب مماثل. نعم أنا المخطئ لأنني لم أستأذن قبل أن أزعجه. ابتسمت من المفارقة وحاولت أن أقترب منه مرة أخرى. لكنني لم ألحق به بعد أن حلق بجناحيه بعيدا. آخر ما لمحته بريق دمعة في عينيه. أو هكذا تراءى لي. جلست أعالج جرحي بعد أن حضر على صراخي بائع الشاي الذي كونت معه علاقة بسيطة من كثرة ترددي على المكان. كان يعتبر المقعد الحجري أحد فروع مقهاه الممتد على جدارين ومقعدين آخرين رغم أنها منفعة عامة. اصطدمت معه في البداية وتعمد مضايقتي. إلا أنني تعودت على كوب الشاي من يده وأصبحت أفضله حتى على المقاهي السياحية. حضر مسرعا وسكب على جرحي ماءا ونظفه وهو يلعن هذا الطائر الغريب الذي كان يتردد على هذا المقعد في أوقات متأخرة. لكنه بدأ في الأيام الأخيرة يحضر كثيرا ويتسبب في إفزاع الزبائن رغم أنه يظل هادئا متأملا طوال الوقت ما لم يقترب أحد منه) . توقف عن كتابة مذكراته وتأملاته اليومية بعد أن آلمته يده . أثاره هذا الطائر وملأ عليه تفكيره. عاد إلى المنزل فبحث في النت عنه. لم يجد له شبيها. قرر متابعته وتصويره. ذهب في اليوك التالي مبكرا قليلا لعله يحظى بلقائه. لم يحضر. ظل عدة أيام يسأل عنه ويخبره صاحب نصبة الشاي أنه يلمحه في نهاية الليل عند الصخرة المقابلة للبحر. صمم على لقائه. ارتدى ملابس خريفية مناسبة لجو النصف الثاني من الليل. ذهب إلى الصخرة. وجده أخيرا بنفس هيئته. واقفا يتأمل في صمت. جلس على مسافة مناسبة منه كي لا يزعجه ثم بدأ في إصدار أصوات خفيفة ليلفت انتباهه وهو ينظر إلى البحر. أحس بحركة بجواره فنظر وإذا بالطائر ملاصق له ينظر له. ظن أنه سيهاجمه فانتفض مرعوبا. عاد الطائر إلى مكانه دون أن يبدي أي رد فعل. جلس مرة أخرى في مكانه متعجبا وبدأ في إصدار نفس الأصوات مع ملاحظته لحركة الطائر بنصف عين. لاحظ حركته واقترابه منه. ثبت في مكانه رغم خوفه الشديد. فوجئ بالطائر يضع رأسه على جانبه ويستقر. نظر إليه متعجبا. وجد في عينيه نظرة اعتذار. هكذا فهمها. ومعها دمعة حزينة صاخبة. ارتفع موج البحر فألقى عليهما رذاذا مالحا منعشا. أنت طائر الليل الحزين إذن. لم يجبه الطائر بطبيعة الحال. ولكنه أطلق أصواتا أشبه بالموافقة. وضع يده على ريشه. استسلم له الطائر الهادئ. تأمله عن قرب. ألوانه متداخلة في جمال وتناسق. عيونه خضراء ومنقاره أرجواني وأقدامه وردية. كأنه قادم من الجنة. لم يحتمل دموع صديقه فشاركه حزنه النبيل الذي لا يعرف سببه. ظلا قابعين في تأملهما حتى الصباح. استيقظ من غفوته على ضوء الشمس يخترق عينيه. بحث عن صديقه فوجد في يده ريشة بكل ألوانه. لم يلتقيا مرة أخرى.

 

 

 

 

 

 

التعليق:
على قدر جمال النص وروعته وحالة الأسر التى لا تفارقنا ونحن نتحرى الأنفاس حتى لا يعلم عنا التأمل فيفقد خصوصيته إلا أن صخب الفكر يفرض نفسه لا محالة !.. استوقفتنى تلك الحالة الصدامية التى تصر مواقف الحياة على افتعالها أحيانا رغم أن المعانى الجميلة لا تبعد عن منعطف البدايات إلا بضعة عبور .. ورغم الأثر العميق التى يخلفه فى نفوسنا الإنطباع الأول إلا أن الحدس الخفى بأن هناك تماه ما مع فكرة بعينها تحملنا على مواصلة العثور .. وهذا هو التواصل الذى حدث بين حزن مغترب يواجه الحياة بقسوة التجربة رغم رجفة القلب .. وخيال مغامر شغوف يبحث عن لحظة صدق كامنة فى مصادفات القدر .. وكلاهما يدرك أنه الإحساس المفقود والنديم المنشود فى براح التأمل الذى يجمعهم سره ..
وكثيرة هى المعانى التى تجلت روعتها فى النص أستاذى المبدع .. ذلك السعى وراء الفكرة وعدم النكوص عنها والإيمان بها واليقين بأن سطوعها فى مكان ما وزمن بعينه لم ينبع من فراغ بل هى لحظة الوهج التى تترقب الإقتناص والوعى وحينها فقط تتبدى حقيقة الجمال وإعجاز الحدوث ..
وكيف يجتازنا المعنى الذى لا يليق به إلا أخلص الإدراك ! ” نعم أنا المخطئ لأننى لم أستأذن قبل أن أزعجه “.. ياالله .. أليس النجاة كل النجاة فى هذا الإستدراك النبيل ؟.. ألن يغدو وجه الحياة أجمل إن لامسنا ذلك الشعور ؟.. ألن يغدو الغضب وتداعياته المؤسفة فى منفى التاريخ إن حاسبنا النفس قبل أن نلوم الآخر ؟.. عذرا سيدى إن ابتعدت عن أصل المعنى فى هذا النص الجميل ولكنها تداعيات الفكرة التى لم أشأ أن ترحل دون أن أشاركها الجميع وأمتن أصدق الامتنان عليها .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق