دراسات و مقالات

فنّ الأمثال عند العرب مقال للأستاذ حيدر حيدر

هذا الموضوع جزء من محاضرة بعنوان(الأمثال في الأدب الجاهلي)، ألقيتها سابقاً على عدة منابر ثقافية. وقد جاء في بعض فقراتها مايلي:
أولا: تعريف فن الأمثال:
• الأمثال : عند العرب فنّ من فنون النثر، والأمثال عند بعض الشعوب صنف من أصناف الشعر، لما فيها من الخصائص المتوفرة في الشعر عندهم.
• والمثل كتعريف: عبارة عن تأليف،من جوامع الكلم، ليس له حقيقة في الظّاهر،وقد ضمّن باطنه الحكم الشّافية. أوهو” لون من ألوان الحكمة.
ثانياً: أهميّة الأمثال:
• هذا وقد أبدع معظم العرب في ضرب الأمثال في مختلف المواقف والأحداث فلا يخلو موقف من حياتنا العامة إلا ونجد مثلا ضرب عليه، ولا تخلو خطبة مشهورة، ولا قصيدة سائرة من مثل رائع مؤثر في حياتنا فالأمثال أصدق شئ يتحدث عن أخلاق الأمة وتفكيرها وعقليتها , و تقاليدها وعاداتها , ويصور المجتمع وحياته وشعوره أتم تصوير فهي مرآة للحياة الاجتماعية، والعقلية، والسياسية، والدينية، واللغوية , وهي أقوى دلالة من الشّعر في ذلك لأنّه لغة طائفة ممتازة , أمّا هي فلغة جميع الطبقات.فكم من حكاية شعبيّة صار مغزاها مثلاً شعبيّاً تناقله النّاس من جيل إلى جيل.
ثالثاً:من من العرب ضربت بهم الأمثال ؟؟
وكم من لقب أطلقه العامة على شخص معيّن،أوأديب،أو شاعر،ذهب مثلاً،وأصبح معروفاً بين النّاس بلقبه أكثر من اسمه،بل ربما نسي الناس اسمه الحقيقي،لكثرة تناقلهم للقبه. ونجد في الأمثال الجاهلية أمثالًا ضربت بالناس، مثل: “أسخى من حاتم، وأشجع من ربيعة بن مكدم، وأدهى من قيس بن زهير، وأعزّ من كليب وائل، وأوفى من السموأل”
وقد ضرب المثل بشخصيات جاهلية، تركت أثرًا في أيامها،مثل: “أبلغ من قس”، ويراد به قس بن ساعدة الخطيب الشهير، وأعيا من باقل. وهو رجل من إياد، وقيل: من ربيعة. اشترى ظبيًا بأحد عشر درهمًا، فمرّ بقوم فقالوا له: بكم اشتريت الظبي؟ فمدّ يديه وأخرج لسانه يريد أحد عشر، فشرد الظبي حين مدّ يديه، وكان تحت إبطيه1.
وضرب المثل ببخل مادر و بعضهم قال:هو ألأم العرب ، فقيل:أبخل من مادر،
“ومادر هو أحد بني هلال بن عامر بن صعصعة ، وبلغ من بخله أنه كان يسقي أبله فبقي في أسفل الحوض ماءٌ قليل، فسلح فيه(تغوط) ومدر الحوض به،(طانه) فسمي مادراً. لتعافه إبل غيره فلا ترده، وفيه يقول الشاعر:
لقد جللت خزياً هلال بن عامر == بني عامر طراً بسلحة مادر
فأفّ لكم لا تذكروا الفخر بعدها == بني عامر أنتم شرار المعاشر
وضرب المثل بفصاحة سحبان، فقيل: أخطب من سحبان، وهو القائل:
لقد علم الحي اليمانون أنّني … إذا قلت أمّا بعد: أنّي خطيبها
وقيل: سَحبان بن وائل، كان خطيباً بليغاً. قال حُميدٌ الأرقطُ يهجو ضيفاُ له:
أتانا وما ساواهُ سَحبانُ وائلٍ == بياناً وعِلْماً بالذي هو قائلُ
فما زال عنه اللَّقْمُ حتَّى كأنَّه == من العِيِّ لمَّا أنْ تكلَّمَ باقلُ
وباقلٌ هذا: رجلٌ من بني قيس بن ثَعلبة، يُضرب به المثلُ في العِيّ (ضد البلاغة)ومن مثل ذلك :(ربّ رمية من غير رام)وقصّة هذا المثل ،أنّ الحكم بن يغوث المنقري وكان من مهرة الرّماة، خرج يوما مع ابن له فعنّ ّلهما سربٌ قطاة ٌفرماه فأخطأه أولاً وثانياً وثالثاً،وأخذ ابنه القوس منه ورمى فأصاب فقال المثل.
ومن الأمثال أيضاً(إنّه ليعلم من أين تؤكل الكتف)ويضرب في المجرّب المحنّك)وممّا لاشكّ فيه أن ّالعرب أوردوا أمثلة كثيرة ونسبوا قسماً كبيراً منها إلى الجاهليّة.وقد جمعت تلك الأمثال في عدّة مجاميع أشهرها(مجمع الأمثال)للميداني وأحصوا فيه ستة آلاف مثل وحده)وجمهرة أمثال العرب (لأبي هلال العسكري).
• وقد ذكروا من الأمثال الجاهلية الباقية حتى اليوم المثل: مواعيد عرقوب، مثل يضرب لمن يعد ولا يفي. فقد ورد في شعر المتلمس، إذ قال:
الغدر والآفات شيمته … فافهم فعرقوبٌ له مثل
وورد في شعر كعب بن زهير:
كانت مواعيد عرقوب لها مثلًا … وما مواعيدها إلا الأباطيل
قيل: عرقوب رجل من خيبر، كان يهوديًّا وكان يعد ولا يفي، فضربت به العرب المثل. وقيل: رجل من العماليق أتاه أخ له يسأله فقال له عرقوب: إذا أطلعت هذه النخلة فلك طلعها. فلما أطلعت أتاه للعِدّة، فقال: دعها حتى تصير بلحًا، فلما أبلحت قال: دعها حتى تصير زهوًا، فلما أزهت قال: دعها حتى تصير رُطبًا، فلما أرطبت قال: دعها حتى تصير تمرًا، فلما أتمرت عمد إليها عرقوب من الليل فجذّها، ولم يعطِ أخاه منه شيئًا، فصار مثلًا، وفيه يقول الأشجعي:
وعدتَ وكان الحلف منك سجيةً … مواعيد عُرقُوب أخاه بيثربَ
فما أكثر العراقيب هذه الأيام..!!.
رابعاً: من قصص الأمثال عند العرب:

• ولكلّ مثل عند العرب قصة شهرته، وجعلت الناس يتداولونها،حتى تغدو مضرب مثل عندهم.ومن هذه القصص ماهو مرتبط بأحداث أو أساطير جاهليّة كالذي زعموا أنّ النّعمان بن امرئ القيس اللخمي،ابتنى قصراًله يسمّى الخور نق بناه له روميّ يسمّى سنمّار،فلمّا أتمّه قال له سنمّار:إنّي أعرف موضع أجرّة لو زالت لسقط القصر كلّه، فقال له النّعمان:أيعرفها أحدٌ غيرك ؟فقال:لا،فقال لاجرم لأدعنّه اوما يعرفها أحدٌ،ثمّ أمربه فرمي من أعلى القصر، إلى أسفله فتقطّع،فضرب به الجاهليّون المثل فقالوا :جزاء سنّمار.
• ومن ذلك بعض القصص الحقيقية التي أدت في النهاية إلى ضرب مثل: ( رجع بخفي حنين) كان حنين إسكافيا فساومه أعرابي على خفين فاختلفا, فأراد حنين أن يغيظ الأعرابي, فأخذ أحد الخفين وطرحه في الطريق, ثم ألقى الآخر في مكان آخر, فلما مر الأعرابي بأحدهما قال ما أشبهه بخف حنين ولو كان معه الآخر لأخذته, ثم مشى فوجد الآخر, فترك راحلته وعاد ليأتي بالخف الأول, وكان حنين يكمن له فسرق راحلته ومتاعه. وعاد الأعرابي إلى قومه يقول لهم جئتكم بخفي حنين. ويضرب هذا المثل لمن خاب مسعاه.
• ومن ذلك مثل ( الصيف ضيّعتِ اللبن ) قاله عمرو بن عمرو بن عدس، وكان شيخا كبيرا تزوج بامرأة فضاقت به، فطلقها ،فتزوجت فتى جميلا وأجدبت. فبعثت تطلب من عمرو حلوبة أو لبنا , فقال ذلك المثل, ويضرب هذا المثل لمن يطلب شيئا فوّته على نفسه.
• ومن ذلك أيضا:(على أهلها جنت براقش ) وبراقش كلبة لقوم من العرب اختبأت مع أصحابها من غزاة, فلما عادوا خائبين لم يعثروا عليهم نبحت براقش فاستدلّوا بنباحها على مكان أهلها فاستباحوهم.
• وأيضا: ( وافق شن طبقة ) شَنّ رجل من العرب خرج ليبحث عن امرأة مثله يتزوجها, فرافقه رجل في الطريق إلى القرية التي يقصدها, ولم يكن يعرفه من قبل. قال شن: أتحملني أم أحملك؟ فقال الرجل: ياجاهل أنا راكب وأنت راكب فكيف تحملني أو أحملك؟ فسكت شنّ حتى قابلتهما جنازة, فقال شن: أصاحب هذا النعش حيّ أم ميت؟ فقال الرجل ما رأيت أجهل منك, ترى جنازة وتسأل عن صاحبها أميت أم حي, فسكت شن, ثم أراد مفارقته, فأبى الرجل وأخذه إلى منزله, وكانت له بنت تسمى طبقة. فسألت أباها عن الضّيف فأخبرها بما حدث منه, فقالت يا أبت ما هذا بجاهل؛ إنه أراد بقوله أتحملني أم أحملك: أتحدثني أم أحدثك. وأما قوله في الجنازة فإنه أراد: هل ترك عقبا يحيا به ذكره؟ فخرج الرجل وجلس مع شن وفسّر له كلامه, فقال شن: ما هذا بكلامك , فصارحه بأنه قول ابنته طبقة, فتزوجها شن. ويضرب مثلا للمتوافقين [8].
• وأخيرا أستودعكم الله، متمنيّا لكم المتعة، والفائدة، مع ماعرضته عليكم من معلومات عن الأمثال، علما بأنّه يوجد للبحث تتمّة، وشكراً.
سلمية في /27/11/2012

قس بن ساعدة بن عمرو بن عدي بن مالك الإيادي): )
وهو أحد حكماء العرب، ومن كبار خطبائهم، في الجاهلية كان أسقف نجران، ويقال إنه كان أول عربي خطب متوكئا على سيف أو عصا، وأول من قال في كلامه ” أما بعد ” وكان يذهب إلى قيصر الروم ، زائرا، فيكرمه ويعظمه وهو معدود في المعمرين ، طالت حياته وأدركه النبي صلى الله عليه وسلم ، قبل الوحى

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق