دراسات و مقالات

تغريدة الشـــــــعر العربي السعيد عبد العاطي مبارك – الفايد مع فن الموشـــــــــح

يــا زمــان الــوصل بــالأَندلسِ

أيها الساقي إليك المشتكى قد دعونا وإن لم تسمعِ
” ابن زهر ”
يا ليلَ الصَّبِّ متى غَدُهُ أقِيامُ السَّـــاعَةِ مَوْعِدُهُ
رَقَدَ السُّــــمَّارُ فَأَرَّقَهُ أَسَــــــفٌ للبَيْنِ يُرَدِّدُهُ
” الحصري الضرير ”
جــادك الغيــث إِذا الغيـث همـى = يــا زمــان الــوصل بــالأَندلسِ
لـــم يكــن وصْلُــك إِلاّ حُلُمًــا = فــي الكــرى أَو خُلسـة المخـتَلِسِ
” ابن الخطيب ”
——————————
عودا الي فن ” الموشح ” منذ نشأته فقد تناولنا عدة مقالات عن الموشحات و أنواعها و مدي تطوره في بيئة الأندلس الخصب بكل معطياته الفنية و الجمالية من قبل و اليوم نتوقف مع الخطوط العريض لهذا الفن الأصيل ” الموشحات ” بين المشرق و الغرب تراث مفعمة بعبقرية فريدة و لم لا فهو معشوق لدي طوائف كثيرة تعجب به كتابة و سماعا في حالة طرب و هيام —
فقد عرف الشعر أنواع كثيرة منها :
هذه الفنون الشعرية ( الشعر والموشح والدوبيت والزجل والكان كان والقوما والمواليا والبليق)

التوشيحأو الموشح
هو فن شعري مستحدث، يختلف عن ضروب الشعر الغنائي العربي بالتزامه بقواعد معينة وباستعماله اللغة الدارجة أو الأعجمية في خرجته، ثم باتصاله القوي بالغناء.

و من خلال تاريخ الأدب العربي نتعرف علي ملامحه الفنية المسجلة في مصادره المختلفة
و نتوقف مع تعريف شامل جامع لابن سناء الملك حيث
ذكر ابن سناء الملك في كتابه [ دار الطراز ] معرفاً الموشح فقال :
(( الموشح كلام منظوم على وزن مخصوص . وهو يتألف في الأكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات ويقال له التام ، وفي الأقل من خمسة أقفال وخمسة أبيات ويقال له الأقرع . فالتام ما ابتديء فيه بالأقفال ، والأقرع ما ابتديء فيه بالأبيات )) .
موشح أو موشحة أو توشيح، وتجمع على موشحات أو تواشيح من وشح بمعنى زين أو حسن أو رصع.
و تعتبر الموشحات فتحا جديدا في الأدب العربي فهي تغيير عن نمطٍ واحدٍ من أنماط الشعر،ولا يجب أن نطلب منها أن تكون غذاء الذهن والفكر، بل يكفينا ما تخلقه في نفوسنا من لذةٍ محببة !!
و تعريفه لغـــــــــة:
اشتق اسم الموشح من الوشاح وهو رداء موشى بالزخارف أومرصع بالجواهر ، والمراد بالتسمية إضافة تغييرات على شكل القصيدة التقليدية —–
و من أشهر الوشاحين الأندلسيين :
( عبادة بن ماء السماء ، عبادة القزاز ، ابن بقي الأعمى التطيلي ، لسان الدين بن الخطيب ، ابن زمرك ابن سناء الملك ، شهاب الدين العزازي ، ابن باجة ابن سهل ، ،ابن زهر ، محيي الدين بن العربي أبو الحسن المريني )
و من أهم أغراض الموشح الأولي :
الغزل هو الشائع بين أغراض شعر الموشح، لكن هناك أغراض أخرى تعرض لها من بينها الوصف والمدح والذكريات
و الموشحات نوع من الغناء الجماعى المميز وصلنا من التراث الأندلسى حيث كانت نشأتها الأولى خلال فترة الحكم العربى لبلاد الأندلس ، أسبانيا حاليا ، ولذلك تسمى بالموشحات الأندلسية
و قد دعت الحاجة الي هذا اللون الشعري الغنائي الجديد الذي يناسب جمال هذه البيئة البكر الوليدة التي تجمع بين الشرق و الغرب
و من ثم يعود تاريخ الموشحات إلى أكثر من ألف عام حيث ظهر لأول مرة فى الأندلس فى القرن الرابع الهجري ، العاشر الميلادى ، حينما أقدم شعراء الأندلس على تغيير شكل القصائد التقليدية بتعدد القوافى والأوزان فى حركة تجديد استهدفت كسر رتابة القصائد ذات الوزن الواحد والقافية الواحدة ثم مزجت اللغة الفصحى بالدارجة فى مرحلة لاحقة
سنو من ثم يعتقد أن كلمة “الموشحة” تعود إلى اللفظة السريانية “موشحتا” أي بمعنى “إيقاع” أو “ترتيلة من المزامير” .
كما يعتقد أن الموشحات ظهرت في المشرق العربي وتأثرت بشدة بالموسيقى حتى أن الردات في أقدم الموشحاة كانت تحوي ألفاظا سريانية.
بينما يقول رأي آخر أن مخترع الموشحات في الأندلس كان شاعرا من شعراء فترة الأمير عبد الله اسمه ” مقدم بن معافى القبرى “.
وقد جاء في بعض نسخ كتاب الذخيرة لابن بسام أن مخترع الموشحات اسمه محمد بن محمود.
والمرجح أن مخترع هذا النوع الشعري هو ( مقدم بن معافر ) وعلى ذلك أكثر الباحثين.

على أن بسام لم يجزم حين ذكر هذا الأخير، وإنما قال:
“و أول من صنع هذه الموشحات بأفقنا واخترع طريقتها – فيما يلقى- محمد بن محمود القبرى الضرير”.
ولعل كون الشاعرين من قبرة جعل ابن بسام يضع اسما محل اسم، فكأنه قد بلغه أن الشاعر القبرى فلانا قد اخترع الموشحات، فذكر محمد بن محمود ونسى اسم مقدم.
وقد وردت هذه الموشحة منسوبة إلى هذا الأندلسي في كثير من المصادر الموثوق بها مثل جيش التوشيح لابن الخطيب.ظو
وو
و
و وو من ثم تطورت الموشحات في عصرنا الحديث :
بداية من أواسط القرن التاسع عشر وصلت الموشحات إلى مجموعة من الفنانين الموهوبين لم يقتصروا على حفظ القديم بل جددوا وأضافوا إليه، فظهرت موشحات جديدة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين ومن هؤلاء محمد عثمان ملحن ملا الكاسات الذي ساهمت ألحانه القوية واهتمامه بضبط الأداء مع صوت عبده الحامولى الذي وصف بالمعجزة في انتقال الموشحات من الأوساط الشعبية إلى القصور وأصبح الموشح جزءا أساسيا من الوصلات الغنائية، واستمر هذا التقليد حتى أوائل القرن العشرين حينما ظهرت باقة من الموهوبين أضافت إلى الموشحات مثل سلامة حجازي وداود حسنى وكامل الخلعى، حتى وصل إلى سيد درويش فأبدع عدة موشحات كانت بمثابة قمة جديدة وصل إليها هذا الفن، لكن المفارقة الكبرى تمثلت في أن سيد درويش نفسه كان كخط النهاية فلم تظهر بعده موشحات تذكر الا نادرا في العراق و الشام —-

و نختصر مكونات الموشح في مقدمات رئيسية :
يضم الموشح عادة ثلاثة أقسام ، دورين وخانة كل منها بلحن مختلف والختام بالخانة الأخيرة غالباً ما يكون قمة اللحن من حيث الاتساع والتنويع مثلما فى موشح لما بدا يتثنى وموشح ملا الكاسات ، وقد لا تختلف الخانة الأخيرة ويظل اللحن نفسه فى جميع مقاطعه كما فى موشح يا شادى الألحان ، وقد تتعدد أجزاء الموشح لتضم أكثر من مقطع لكل منها شكل وترتيب وتتخذ تسميات مثل المذهب ، الغصن ، البيت ، البدن ، القفل ، الخرجة
و نختم هذا المقال سريعا مع أشهر الموشحات :
——————————————–
وأول من برع في الموشحات عبادة القزاز جاء من بعده فلاح الوشاح (( في زمن ملوك الطوائف )) وفي عهد الملثمين برع الأعمى التطيلي ،ويحيى بن بقي ، و أبو بكر بن باجة وفي عهد الموحدين برز محمد بن أبي الفضل بن شرف وأبو الحكم احمد بن هر دوس وابن مؤهل وأبو إسحاق الزويلي أما المع الأسماء في سماء التوشيح أبو بكر بن زهر وأبو الحسن سهل بن مالك الغرناطي ثم جاء من بعدهم ابن حزمون المرسى وأبو الحسن بن فضل الاشبيلي 0 ورئاسة فن التوشيح فهي لأبي عبد الله ابن الخطيب صاحب الموشحة الشهيرة (( جادك الغيث )) توفى أبو عبد الله سنة 1374 م ، شاعر الأندلس والمغرب تولى الوزارة بغرناطة وعرف بذي الوزارتين (( الأدب والسيف)) وتعتبر موشحة ابن الخطيب من أشهر الموشحات وأغناها بالفكرة والصورة والإحساس والتلوين الكلامي0 الاعتيادية،ويتكون أغلب الموشح من القفل والبيت،فمنه ما جاء على أوزان العرب كالمخمسات، فيؤتى بخمسة أقسام من وزن وقافية،ثم بخمسة أخرى من وزن وقافية أخرى، كقول ابن زهر في بحر الرمل:

أيها الساقي إليك المشتكى قد دعونا وإن لم تسمعِ

ومن الموشح ما يدعى باسم المسمطات ، كأن يبدأ ببيت مصرع ثم يأتي بأربعة أقسام أو أقل كقول القائل:

غزالٌ هاج بي شجناً فبت مكابداً قرنا

عميد القلب مرتهنا بذكر الهوى والطّربِ

وهناك أيضا المزدوجات من ذوات القافية المزدوجة في كل بيت،كقول أبي العتاهية:

حسبك ما تبتغيه القوت ما أكثر القوت لمن يموت

إن الشباب حجة التصابي روائح الجنة في الشباب

موشح محمد بن عيسى اللخمي، المشهور بابن لبانة يقول :

في نرجس الأحداق ، وسوسن الأجياد ، نبت الهوى مغروس ، بين القنا المياد

وفي نقا الكافور ، والمَندلِ الرطب ، والهودج المزرور ، بالوشى والعَصبِ

قُضبٌ من البِلّور ، حُمين بالقُضبِ ، نادى بها المهجور ، من شدة الحُبِّ

أذابت الأشواق ، رُوحي على أجساد ، أعارها الطاووس ، من ريشه أَبراد

ونظرة خاطفة على موشحة لسان الدين بن الخطيب في الغزل وذكر الطبيعة ومدح السلطان الغني بالله:

في ليالٍ كتمت سر الهوى

بالدجى لولا شموس الغرر

مال نجم الكأس فيها وهوى

مستقيم السير سعدَ الأثرِ

باعتبار الموشحات فتحا جديدا في الأدب العربي فهي تغيير عن نمطٍ واحدٍ من أنماط الشعر،ولا يجب أن نطلب منها أن تكون غذاء الذهن والفكر، بل يكفينا ما تخلقه في نفوسنا من لذةٍ محببة، وهذا مقطع لابن زمرك في ذكر الصبوح ومدح سلطانه ابن الأحمر:

مولاي يا نكتة الزمان دار بما ترتضي الفلك

جلَّلتَ باليُمن والأمان كلّ مليكٍ وما مَلَك
و لا يفوتنا ان ننوه عن ” يا ليل الصب ” للحصري الضرير :
يا ليلَ الصَّبِّ متى غَدُهُ أقِيامُ السَّـــاعَةِ مَوْعِدُهُ
رَقَدَ السُّــــمَّارُ فَأَرَّقَهُ أَسَــــــفٌ للبَيْنِ يُرَدِّدُهُ
فَبَكاهُ النَّجْمُ ورَقَّ لهُ مِمَّـــا يَرْعاهُ ويَرصـــُدُهُ
كَلِفٌ بِغَزالٍ ذي هَيَفٍ خَوْفُ الواشِـــينَ يُشــَرِّدُهُ
نَصَبَتْ عَينايَ لهُ شَــرَكاً في النَّومِ فَعَزَّ تَصَيُّدُهُ
وكَفى عَجَباً أنّي قَنَصٌ للسّــــِرْبِ سَبَاني أَغْيَدُهُ
صـــَنَمٌ للفِتْنَةِ مُنْتَصِبٌ أَهْـــــواهُ ولا أَتَعَـــــبَّدُهُ
صاحٍ، والخَمْرُ جَنى فَمِهِ سَكْرانُ اللَّحْظِ مُعَرْبِدُهُ
يَنْضو مِن مُقْلَتِهِ سَيــْفاً وكَأنَّ نُعاســــــاً يُغْمِدُهُ
فَيُريقُ دَمَ العُشَّــــاقِ بهِ والوَيْلُ لمَــنْ يَتَقَــــــلَّدُهُ

و نختم برائعة لسان الدين الخطيب يا زمان الوصل بالأندلس :
جــادك الغيــث إِذا الغيـث همـى = يــا زمــان الــوصل بــالأَندلسِ
لـــم يكــن وصْلُــك إِلاّ حُلُمًــا = فــي الكــرى أَو خُلسـة المخـتَلِسِ
….

إذ يقــود الدّهــرُ أَشــتاتَ المُنـى
ينقــلُ الخــطوَ عـلى مـا يرسـمُ
زُمَـــرًا بيــن فُــرادى وثُنًــى
مثــل مــا يدعـو الوفـودَ الموْسـمُ
والحيــا قــد جـلَّل الـرّوض سـنا
فثغـــور الزّهــرِ فيــه تبســمُ
….

وروى النُّعمــانُ عـن مـاءِ السّـما =كــيف يَــروي مـالِكٌ عـن أنَسِ?
فكســاه الحُســن ثوبًــا معلمــا =يـــزدهي منـــه بــأبهى مَلبسِ
….

فــي ليــالٍ كــتَمَتْ سـرَّ الهـوى
بــالدُّجى لــولا شــموس الغُـرَر
مــال نجــمُ الكـأس فيهـا وهـوى
مســـتقيمَ السّــيرِ سَــعْدَ الأَثَــرِ
وطَـرٌ مـا فيـه مـن عيـبٍ سـوى
أَنّـــه مـــرّ كــلمْح البصَــرِ
….

حــين لــذّ الأُنس شــيئًا أَو كمـا = هجــم الصّبــحُ هجــومَ الحـرَسِ
غــارت الشــهْبُ بنــا أَو ربّمـا = أَثّــرت فينــا عيــون النرجــسِ
….

أَيّ شــيءٍ لاِمْــرئٍ قــد خلُصـا
فيكــون الــرّوضُ قـد مُكِّـن فيـهِ
تنهــب الأَزهــار فيــه الفُرصـا
أمِنَــت مــن مكــره مــا تتّقيـهِ
فــإذا المــاء تنــاجى والحـصى
وخـــلا كـــلّ خــليلٍ بأخيــه
….

تبصــر الــوردَ غيــورًا بَرِمــا = يكتســي مــن غيظـه مـا يكتسـي
وتَـــرى الآس لبيبًـــا فهِمـــا = يســرقُ الســمْع بــأذنيْ فــرَسِ
….

يـا أُهيْـلَ الحـيّ مـن وادي الغضـا
وبقلبـــي ســـكَنٌ أَنتـــم بــهِ
ضـاق عـن وجـدِي بِكُم رحْبَ الفضا
لا أبــالى شــرقَه مــن غربــهِ
فــأعيدوا عَهْــدَ أنسٍ قــد مضـى
تُعْتِقـــوا عــانيكمُ مــن كرْبــهِ
….

واتّقــوا اللــه وأَحــيوا مغرمَــا = يتلاشــــى نَفَسًـــا فـــي نَفَسِ
حـــبَس القلــب عليكــم كَرمــا = أفـــترضون عفـــاءَ الحــبَسِ?
….

وبقلبــــي منكمـــو مقـــتربُ
بأحــاديث المنــى وهــو بعيــد
قمـــرٌ أَطلــع منــه المغــربُ
شَــقْوة المُغــرَى بـه وهـو سـعيد
قــد تســاوى محســنٌ أَو مـذنبُ
فــي هــواه بيــن وعْـدٍ ووعيـد
….

ســاحر المقلــة معســول اللّمـى = جــال فــي النّفس مجــالَ النّفَسِ
ســدّدَ السّــهمَ وســمّى ورمــى = ففـــؤَادي نهبـــة المفـــترسِ

هذه كانت أهم الخطوط العريضة لفن الموشح بين الشرق و الغرب و البيئة الوليدة لتطور هذا النوع من فنون الشعر ” فن الموشحات في الأندلس ” ذالكم الفردوس المفقود قدمنا في قراءة سريعة موجزة التعريف و النشأة و الضرورة و أهم الشعراء و أنواع الموشحات من باب تحقيق الفائدة المثمرة من وراء تناولنا لهذه القضية و كم نود أن نقوم بدراسة تطبيقية سريعة علي بعض الأمثلة لتلك بعض الموشحات الآتية :
– لما بدا يتثــنى مقام نهاوند
– بالذى أســــكر مقام بيــاتى
– ملا الكاســات مقام راست / محمد عثمان
– شادى الألحان مقام راست سيد درويش

حتي يتابع المتذوق العربي لهذه الفنون التي تخدم قضايا المجتمع دائما 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق