قصة

عبد السلام هلال يكتب عزّت وعزب

 

 

عزت وعزب1


طفل بالسابعة تقريبا ، أوصلتني العشر الأخيرة من رمضان لحزن شديد ، طقس بارد ، مطر يهطل لأربعة أيام ، اختفت سلالم بيتنا تحت المياه ، انقطع الطريق للزقازيق ، تأجل سفرنا المعتاد لشراء ملابس العيد .
الأشياء كما المصائب لا تأتي فرادى، كما تقول أمي ، انتشرت برك المياه بالشوارع ، يتجمع الماء المتدفق بعنف في حفر نصنعها لحماية منزلنا الطيني ، يئن سقف بيتنا المصنوع من عروق الأخشاب مغطاة بطبقة من البوص الجاف ، تعلوها طبقة سميكة من الطين الجاف، مغلفة بالأكياس البلاستيكية لمنع تسرب المياه .
هاجس أمي أن تؤمن نومنا على مراتبنا جافة ، وألا يفسد أثاث المنزل ، تهم بوضع أوانيها لإستقبال ما يخر من السقف .
دوما يأتي الشتاء ليضعنا بحالة عزلة مؤقتة عما حولنا ، قد تطول العزلة لأيام ، وقد تأخذ يوما واحدا أو بعض يوم .
هذا الشتاء العازل يعني لي أمورا كثيرة جميلة ، أننا لن نذهب للمدرسة ، وسيكون هناك بالتأكيد خبز محمص ودقة ، وهذه من أسرار الشتاء في بيتنا القديم .
طقوس ننتظرها كل عام ، كثير من الطعام الساخن وجلسات السمر تحت ضوء مصباح الغاز الذي يجف قلبه قبل منتصف الليل تقريبا ، وحينها نكون في أجمل أوقات نومنا الهاديء ، بعد يوم طويل كافحنا فيه المطر والبرد ، والرغبة في اللعب بالطين والخوض في البحيرات الصغيرة التي تملأ الشوارع ، وليس لنا إلا قليلا من فرص اللعب ، وكثير من دفء حضن أمي .
2
تحسن الطقس أخيرا ، انقشعت غيوم الشتاء ، أخيرا أشرقت الشمس بوقتها المعتاد ، هلت بشائر السفر بكلمات أبي القليلة ، أشتم رائحة الملابس الجديدة وحلوى العيد ، انتابتني حالة نشوة لذيذة .
طريق ترابي تعتريه آثار الوحل ، صنعت حركة السيارات القليلة بعض أخاديد يمكن السير فيها ، كحال باقي الطرق التي تربطنا بالدنيا .
تأخرت الحافلة أكثر من نصف ساعة ، نسمة باردة جاءت بها السيارة ، ورغمها أحسست بدفء يسري في كل وجداني ، صعدت السلم بسرعة ، صدمتني نظرة عزت وتكشيرته ، ارتفع صوته زاعقا فينا ، كأنما نعطل مسيرة الرحلة المظفرة .
سمعت عن عزت وسيارته من أمهات أصدقائي ، يتمنون هلاك أبنائهن ، إلهي يفرمك عزت ، أو تتمنى أن تدوسة عجلات سيارة عزت الضخمة ، كرهت عزت وسيارته ، ولكن اليوم أحب عزت ولست أدري سببا لكلا الحالتين .
جذبني أبي للجلوس بجوار أخي ، كنت أطمع بالجلوس بمقعد وحدي ، سارت السيارة ببطء ، توقفت كثيرا لإلتقاط ركاب من كل القرى على طول الطريق .
ارتحت لحكمة أبي ، صارت السيارة مثل سوق الثلاثاء ، ارتفع صوت الكمسري والسائق ، صياح أطفال صغار وخناقات تهربا من دفع قيمة تذكرتهم ، قفف و( أسبتة ) تملأ الطرقة وبين الكراسي ، زحام رجال ملتصقين ببعضهم وبينهم بعض النساء .
أجلس مترقبا للوصول ، أدفع العربة بأقدامي للسير بسرعة ، أحارب بطء السيارة بتشجيع السائق ، كنت الوحيد الذي يسمع صوتي .
كان اليوم جميلا جدا ، قاومت رغبتي بالأكل طيلة اليوم ، أخذتني فرحتي بالملابس ، نسيت الجوع وأكملت الصيام ، متصبرا بأن نفطر في البلد ، كنا بالموعد في المحطة ، تأخر عزت كالعادة ، تحولت مشاعري لناحية غضبي منه .
استسلمت لنوم عميق بالسيارة ، ولم أدر ماذا حدث حتى وجدتنا متوقفين بالطريق ، عطل يحتاج نصف ساعة على الأقل لإصلاحه .
أكيد تأخرنا بالوصول ، وتناولنا إفطارنا بعد صلاة العشاء ، وارتبطت الصورة الذهنية لعزت بكل المعاناة التي أرهقتنا في رحلة العودة .
3
مرت سنوات لم أر فيها عزت ، فقد تشارك أبي في سيارة مع آخرين ، ولكن بين الحين والآخر كنت أسمع نساء كثر يرددن الأمنيات القديمة .
دخول الجامعة زمان كان يعني السفر المنتظم ، يوميا أو أسبوعيا ، بعد سكناى بالمدينة ، أسلمني هذا لمعاناة أخرى مع عزت وسيارته ، مضافا لهما عزب ، أوعذاب كما كنت أناديه ، سائق وكمساري الأوتوبيس في ميعاد الذهاب وميعاد العودة ، مقرر رخم علي ابتلاعهما كدواء مر .
تجرعت هذا الدواء عام دراسيا كاملا ، كانت تجربة قاسية ، اضطررت لها ، ربما للملل من العزوبية ، وربما اشتياق أكثر لدفء منزلنا وطعام أمي الممزوج دوما بحبها المفرط لنا .
يبدأ يومي من الخامسة صباحا ، وهو يعني نوما مبكرا لا أحبه ، يتم كل شىء على عجل ، ثم انتظار عزت وعزب وسيارتهما السادسة والنصف .
عادة لايكون أول القصيدة كآخرها كفرا ، فقط بأيام السبت والخميس ، تأتي السيارة من كفر صقر حتى البلد وليس بها مكان للوقوف ، وعلينا أن نكافح في كل لحظة حتى الوصول للجامعة قرابة الثامنة والنصف . تبدأ ألاعيب ( شيحة ) حينما يتصرف عزب مثل المفتش كولومبو ، فجأة يعلو صوته حينما يفاجئ شخصا بأنه لم يقطع تذكرة ، يحدث جلبة وصخبا كأنما أحرز هدفا في البرازيل ، ثم تبدأ سيمفونية التلاقح الكلامي الرهيبة ، حتى نصل لفقرة الخناقة اليومية وتوقف السيارة ، والتي تنتهي عادة بدفع الراكب للتذكرة أو يثبت للكل أنه قطعها ولم ينتبه عزب ، وحينها فقط تعرف أن عزب سيحظى بعلقة كل يوم ، حتى لو تقافز فوق الكراسي هربا من الضرب الذي يأتيه من بين يديه ومن خلفه ومن حيث لايحتسب .
كانت سنة جميلة جدا ، وأجمل ما فيها هو ما علق بذهني من ذكريات أتذكرها من حين لآخر ، وأتعجب مما كان يحدث .
4
باعدت سنوات العمل والسفر بيني وبين مدينتي المفضلة ، حتى كانت زيارة لي لأحد الأصدقاء ، بيته قريب من موقع المحطة القديمة ، أخذني الحنين إليها ، سرت بداخلي كل الذكريات القديمة , حتى كانت المفاجأة .
لمحته هناك قابعا بالكشك الخشبي بجوار موقف الباصات القديم ، شبه نائم تقريبا ، لا تكاد عيناه تفتحان ، لحظات وتعود سيرتها الأولى ، ذبلت العينان الزرقاوان الجاحظة ، واختفت خلف جفون متغضنة وكرمشات كثيرة تغطي ملامحه ، جاهدت لاستعادة شكله ، لم يبد منه سوى طاقية بيضاء تغطي نصف رأسه ، وبقي له منها بعض شعيرات بسيطة بنهاية سطح رخامي أملس أتى على ما تبقى من صلعته البهية ، لكنه ظل محتفظا بسوالفه البيضاء الطويلة ، وشارب ضخم أبيض ينسدل على شفتيه وجانبي فمه ، يشير لتمسكه بموروث ريفي لم يزل له بعض محبيه .
ينظر لي مليا ، كأنما يعالج حلما بعيدا ، ابتسم بوجهي مرحبا ، رغم أنه لم يفعلها طيلة أربع سنوات دراستي ، سألني هل أنت فلان ؟
كانت إجابتي بداية لوقفة طويلة معه ، نسيت مواعيدي وجرفني تيار الذكريات ، كأنما الرجل يشتاق الحديث ، حكى لي كل ما مر به من مآس أوصلته لهذه الوقفة ، حتى كانت جملته التي فاجأتني : هل تعلم أن عزت مات تحت عجلات اوتوبيس يقوده شاب صغير كان تحت التدريب ؟
لم أجد ما أقوله ، غادرته بعدما ترحمت عليه وعلى أيام خوال .

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى