قصة

نفس الكأس

أيمن حسين السعيد

رن جواله وهو على طاولة مكتبه غارقا في مطالعته للكتب، التي أصبحت في الفترة الأخيرة مؤنسةومواسية له في أحزانه، كان هناك إشارة ترحيب مطلوب منه قبولها لاسم مستعارمؤنث تتوشح صورة حسابها مخطوطة الحمد لله رب العالمين.
قبلها وبدأت محادثة لم تكن في حسبانه أبدا خاصة وأنه أصبح على مشارف التاسعة والأربعين من عمره.
-السلام عليكم
-وعليكم السلام
– كيف حالك أستاذ ؟طمئني عنك وعن أحوالك.
-الحمدلله رب العالمين إذا سمحت هل من الممكن معرفة اسمك وشخصك الحقيقي؟
-ستعرفني ولكن أصحيح أنك مطلق!؟
-نعم صديقتي وهل أنت راغبة بالزواج!؟
-لا أنا متزوجة وأنا جداآسفة لسؤالي.
-صديقتي أكرر للمرة الثانية هل من الممكن معرفة اسمك الحقيقي.!؟
-أليس في بالك أحد من حياتك وذكرياتك الجامعية في مدينة حلب.
-حياتي الجامعية كان فيها الكثير من الزملاء والزميلات من سأتذكر حتى اتذكر،فهم بالعشرات ومن مختلف المحافظات والمدن السورية.
-ألا تذكر انك كنت تنزل عندها ضيفا حبيبا في منزلها في منطقة الس.ي.ن
في هذه اللحظة انتفض جسمه كله وجحظت عيناه وارتعشت يده وانتقل بذاكرته خطفا إلى الخلف مايقرب من سبع وعشرين سنة ودار حوار العقل والقلب والذاكرة في نفسه..أيعقل أنها هناء انتقل إلى صفحتها فقرأ ملفها الشخصي خريجة جامعة حلب طبيبة أسنان من سورية محافظة د.ر. مقيمة في إحدى دول الخليج..متزوجة…كتب مباشرة هناء ولكنه عدلها مباشرة 
-دكتورة هناء ….أليس كذلك!؟
-نعم أنا هناء أستااااااذ مأمون كيف حالك !؟
-ماالذي جعلك تتذكرينني!؟
-وكيف أنساك وهل ماكان بيننا ينتسى !
-هل من الممكن أن أحدثك مكالمة هاتفية!؟
-لا أرجوك إذا اردت أن نبقى على اتصال أخاف إن سمعت صوتك أن أشعر بالضعف فمازال قلبي يحمل محبتك رغم زواجي ورغم أني اصبحت جدة وسيظل يحمل محبتك الى ان اموت.
-حسنا…براحتك رغم اني رفضت الزواج منك مازلت تحبينني.
-انظر مأمون أعتذر منك فابني يريد مكالمتي فيديو من كندا.
-حسنا حسنا مع السلامة.
أصابته القشعريرة والذهول وزاد حزنه حزنا ممتزجا في قلبه مشاعر الحب الصادق لهناء ولكن بعد فوات الأوان بعد سبع وعشرين سنة وتمنى أن يعود به العمر ليتزوج من أحبته بصدق رغم زواجه لمن أحب ولكنه مني بخيبة وفشل زواجه والسبب أن من تزوجها لم تكن تحبه رغم محبته لها، وإنجابها منه لأولاده الذين أصبحوا في مختلف بلدان العالم بسبب الحرب الدائرة في وطنه، بعد طلاقه لزوجته التي فضلها على هناء كان يبحث عن اي شيء يوصله إليها عاد إلى مفكرته ووجد رقم هاتفها ولكنه لم يكن مفعلا.
بحث عنها وعن حسابها على وجه الكتاب( الفيس بوك) ولكنه لم يجد حسابها ودخل في قائمة أصدقائها وأقاربها لم يجد ذكرا لاسمها الآن عرف السبب الآن أصابه الندم الشديد، واغرورقت عيناه بالدمع، لقد كان تصرفه قاسيا معها.
دخل الجيش والجامعة قسم كلية الآداب في مدينة حلب ، كان هدفه الأول التقرب ممن احب زوجته السابقة، التي كانت تدرس الحقوق، والهدف الثاني تكوين نفسه مثله مثل اي إنسان يريد ان يتزوج ويمتلك بيتا.
كان كلما نزل الجامعة بلباس الخروج العسكري الجميل الكحلي اللون تزينها الأوسمة الشرفية وبربطة عنق كحلية تزين قميصا سماويا، يرمز إلى القوى الجوية،
يشعر بالفخر وكان يدير أعناق الصبايا، كثيرا منهن توددن إليه كثيرا منهن حاولن التقرب منه، لم يكن يريد أحدا، ولم يكن جادا في أي شيء سوى أن يحقق هدفا يسعى له، ألا وهو الزواج ممن احب والتي أصبحت زوجته التي طلقها بعد خمس وعشرين سنة من زواجه لها،فقد كان هواها مستحكما فيه ومتمكنا من قلبه ولكن في يوم من الأيام رأى حبيبته مع احد الأشخاص في مقهى الجامعه فأصيب بالصدمة والخيبة وأراد أن يمسك بتلابيب ذلك الشخص ويوسعه ضربا ولكنها ليست فكرة صائبة منه خاصة وانه لا شيء يجمعها به سوى كونها ابنة ضيعته ثم أن عائلتيهما على عداوة قديمة فيما بينهما،وبينما هو على تلك الحالة ذهب إلى مكتبة الجامعه منتظرا ريثما يحين موعد محاضرة مسائية مهمة له خاصة وانه بحكم خدمته العسكرية لا يستطيع حضور المحاضرات الصباحية.
طلب فنجانا من القهوة واتخذ مكانه على احد طاولات المكتبة الجامعية.
أشعل سيجارة وبدأ يراجع مقررا له ،لم يكن منتبها لوجود هناء بجانبه
-تفضل القهوة سيدنا
-ألف شكر .
وناوله كالعادة خمس وعشرون ليرة سورية. 
وإذ بصوت هناء ذو اللهجة البدوية المحببة
-أريد فنجانا من القهوة يكون بلا سكر وقطعتين من الشيكولاتة.
انتبه مأمون إليها كان وجهها برونزيا مستديرا ذا جبهة عريضة بعينين واسعتين غريبتي اللون مابين الرمادي والأزرق هكذا كان انطباعه الاول عن عينيها الزرقاويتين الفاتحة لونهما في الظل وعند انعكاس النور فيهما يصبح لونهما فضيا خالصا، كان ثغرها صغيرا بأنف متوسط الحجم وحاجبين شقراوين دقيقيين مرسومين كقوسين تماما.
كانت تضع صديرتها البيضاء وكتبها على المكتبة والتي عرف من خلالها أنها طالبة في السنة الأولى من كلية طب الأسنان.
كانت ترتدي أنوراكا كحليا فوق كنزةصوفية بلون الجوري مناسبين لتنورتها السوداء إلى ماتحت ركبتيها.
نسي ما كان من امر حبيبته وبدأ بينه وبين نفسه يقول أليست هذه المخلوقة أحلى واجمل من حبيبتي ثم أنها تدرس فرعا راقيا وستصبح طبيبة أسنان مع أن فكرة امتهانها لطب الاسنان لم ترقه ولكنه بينه وبين نفسه قال الطب افضل من الحقوق الذي هو اختصاص حبيبته وابنة مسقط رأسه.
ينتبه إلى مجيء عامل قهوة المكتبة الجامعية.
-تفضلي ابنتي هذه القهوة السادة وقطعتي الشيكولاته.
وناولته ثمنهما قائلة له بلهجتها المحبوبة:
– اترك الباقي لك.
تفاجأ تماما عندما ناولته قطعة من الشيكولاته.
-تفضل 
ابتسم قائلا :ألف شكر.
-تفضل لا تكن بخيلا هي لذيذة مع القهوة.
-حسنا ألف شكر ربي يكرمك.
-أأنت ضابط في الجيش
-نعم
-وتدرس في الجامعه.
-نعم في الحقيقة أنا أكمل دراستي الجامعية في كلية الآداب قسم لغة انكليزية لأني متحصل على شهادة معهد اعداد مدرسين قسم لغة انكليزية أيضا.
– لماذا لم تعمل كمدرس.
-في الحقيقة احببت الجيش وتعاقدت معه ولم ترق لي فكرة التدريس.
كان هذا اللقاء الاول بينهما وكانت حبيبته مشغولة هي الاخرى في ترتيب زواجها من شخص غيره، مما منعه من أن يدخل على خط طلب يدها ولكونه كان يخاف فكرة رفضها له وأهلها بسبب العداوة بين العائلتين.
وتطورت العلاقة فيما بين مأمون وهناء التي كان والدها شيخا لاحد العشائر المعروفة في أحد مدن الريف الشمالي الشرقي لمدينة د.ر .والذي كان غنيا جدا لدرجة أن هناء لم تسكن في المدينة الجامعية بل في منزل يملكه بمنطقة الس.ي.ن الجميلة في مدينة حلب، ولوحدها.
تطورت الأمور بينهما، بحكم عدم وجود فرصة ليقتنصها ويتزوج ممن أحب، واعترفت هناء بمحبتها له بعد عدة لقاءات بعيدا عن الجامعة وأجوائها.
كانت مولعة به جدا لدرجة أنها أعطته نفسها، ولكن ليس بشكل كامل وكان مأمون واعيا لهذا الأمر تماما،خاصة وأن هناء من مجتمع عشائري يقدس الشرف، ويعرف ضريبة انتهاك الشرف كانت تعني خسارة حياته ، بل وأعطته مفتاح البيت الذي أمضى فيه مايقرب من سنتين معها، رغم محبتها له واخلاصها وتفانيها لأجله وإلحاحها على الزواج منها إلا أن قلبه كان يهوى أم أولاده وطليقته الحالية التي عانى معها الأمرين على امتداد ربع قرن من الزمن.
الآن أحس وبألم أحس بمرارة مااقترف بحق نفسه وبحق هناء،القدر لعب لعبته عندما حانت فرصة للزواج من حبيبته اقتنصها وترك هناء تعاني ما تعاني من قهر وآلام.
عند منتصف الليل عاودت الاتصال به.
ولكنه فضل ان يحادثها بمكالمة عادية، ولكنها فصلت الخط.ومن ثم عاودت محادثتها ثانية كتابة.فكتبت له.
أنت الآن تذوق من نفس الكأس الذي أذقتني إياه أنا أعذرك لأنك لم تهواني رغم أني لم ولن أهوى أحدا في حياتي غيرك وأقسم لك أنك أول من لمسني من البشر هو أنت، ومن ثم زوجي فقط لأني أحببتك ولم أحب غيرك رغم زواجي و من بعدكما لن ولم يلمسني احد بعدكما حتى الموت ، ولكن في قلبي شخص واحد فقط واسمه مأمون وعشت هواه في ابني الذي أسميته مأمون حاليا هو طالب جامعي في كندا، هو القدر من نهواه يهوى غيرنا ولا يكون زوجا لنا وكذلك أنت من هويت لم تهواك وكنت زوجها، وعانيت مثلما عانيت ولكني سعيدة جدا بابني مأمون أستاذ مأمون هنيئا لك كأس العلقم ليس تشفيا ولكن ما تذوقه انت تجرعته انا بمرارة شديدة يفوق كأس مرارتك وخيبتك ولا زالت آثار مذاق كأس هجرك لي وعدم زواجك مني حسرة في قلبي إلى الممات الحمدلله على كل حال..فرج الله همك أخي الأستاذ مأمون أنصحك بأن تتزوج من يحبك فمن 
تحبك فقط تستطيع الاستمرار معها بهناء وسعادة لأنها لن تألو جهدا لحظة واحدة في سبيل سعادتك دمت بخير وربي يسعدك أخي الأستاذ مأمون أنت ابن حلال وابن كرام وحنون جدا وتستحق كل الخير.
كتب لها..
-هناء أنا أعتذر عن معاناتك بسبب هجري وعدم زواجي منك ولو أن الزمن يعود لكنت تزوجتك فورا.
أرسل الرد ولكنه لم يصل 
لانها قامت بحظره مباشرة، فلا يمكنه الرد على هذه المحادثة الآن عليه أن يكمل شرب كأس آخر أشد مرارة وألما.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى