دراسات و مقالات

مع شاعر الاصداف صالح الشرنوبي ” 1924 – 1951 م

السعيد عبد العاطي مبارك

أنه شاعر البحيرة الثائر … !!

” خمس وعشرون عاما مرّت سحابا جهاما
فما زرعن صفاءً ولا حصدن سلاما
وما زرعن سوى اليأ س ناضرا بسّاما
ولا حصدن سوى العم ر أنجما تترامى
يدور رأسي إذا ما حسبتها أياما ”
——–
ذكرتُكِ والـذكرى تُضـاعفُ مـن كرْبـــــــــي
فغنّى لـحـونَ الـدمعِِ فـي كهفِهِ قـلـبـــــي
يـخـالجه طـيفـانِ طـيفٌ يُذيبــــــــــــه
حنـيـنًا، وطـيفٌ مُحـرقٌ كلظى الجــــــــدْب
هـو الـبـيـنُ لـم يـخلقْه مـن قـدَّر الهـوى
لغـير عذابِ العـاشقِ الـمُدنَف الصــــــــبّ _
إذا اللـيلُ نـادانـي ذكرتُ مــــــــواقفًا
لنـا والـدجى كـالهجـرِ والنَّسْمُ كــــالعتب
تضمّيـننـي كـالطفلِ يُضفـي حـيـــــــــاؤُه
عـلـيـه مُسُوحَ الأمـن والأمـــــــلِ العذب
( من قصيدة ذكريات )
————-
يقول العقاد :
” لو عاش صالح لبز شوقي !! ”
————-
هذا الملف اهداء الي الشاعرة و الاعلامية العملاقة كريمة زكي مبارك – التي لا تحلو الاحتفاء بذكري الشرنوبي الا بحضورها حيث كانت تحمل ظلاله ايمانا منها بموهبته و طاقته الشعرية فكانت تصطحب و تحشد معها القوي الناعمة الي محرابه في البرلس بين النخيل و الرمال و المراكب و حشود الناس الطيبة في هذه البقعة المباركة من مصرنا .. !! ”

فكم عان الشرنوبي من الحرمان و عاش التمرد و القلق أليس هو القائل :
رأيت حظوظ الناس شتى فجاهل—أمير..وأهل العلم في كفه أسرى
ونابغة فذ..يعيش مُشردا—يكابدُ من أيامه الذ ُل والفقرا
فإن مات هب النائمون فأمطروا—ثراه الجديب القفر مدمعهم ثرا
وراحوا يحيون الرميم بذكره—وهيهات أن تجدي على الميت الذكرى
لقد كان يرجو القوت لا مؤمنا به—فظنوه يرجو المستحيل أو الكـُفرا
فأيهما أختارُ لو كنتُ مثلهُ؟–لعلي بحظ الفدم ِ في سعده أحرى

عندما تأتي ذكري شاعرنا ” صالح الشرنوبي ” و نعيش مع ذكريات تحل علينا هموم قضايا الشعر مع شاعر فذ رحل في شرخ الشباب و مضي مع طرفة ابن العبد الشاب القتيل و الشابي شاعر المروج الخضراء و التيجاني شاعر الحرمان و غيرهم كثيرون في الشعر العربي و الاجنبي معا 0
فالانسان المبدع لا يصنف فالعقل و الوجدان هما جناح الثقافة و التراث في كل زمان و مكان —-
فشاعر بحجم عبقرية صالح الشرنوبي يستحق الكثير و الكثير من الباحثين و المتناولين لفن و رسالة الشعر من اجل و جه الابداع و رؤية المجتمع في اطار قضية الالتزام حسب المعايير الفنية بغية المطالعة و و قراءة القديم و الجديد بروح اشراقة تسيطر علي زوايا المنعطف الثقافي خلال دلالات التعبير الذاتي داخل تجربة تحمل جماليات النص المفعم بالحيرة و الشك و القلق و الطلاسم و الرؤية التأملية الفلسفية مع محطات الحياة —
و من ثم كان لنا وقفة ووقفات مع هذا الشاعر العملاق الفذ الذي أرخ له ديوان شعرنا العربي و جعله في مقدمة ريادته بحق عن جدارة برغم حداثة سنه التي تنم عن مدي عبقريته المتفردة في تلقائية تبعث لنا حرية الكلمة بين الكلاسيكية و الرومانسية و الواقعية بصدق فملامح شعره هنا استوعبت كافة الاشكال و الالوان و الظلال لشكل القصيدة العمودية و المقطوعات و المرسل اضف الي النثريات و العمل الفني الابداعي و مطولاته القائمة علي الفلسفة و التصوف و الحب و الاجتماعيات و تصوير مواقف الحياة —
و شعره يذخر بالعبقرية و التفرد في كافة الأغراض وسط هالة من الموهبة و الطاقات و الاستعدادات بداية من الطابع : الوجدانى ، و الوطنى ، و الاجتماعى ، و الانسانى و الديني و التأملي ..

و قد قدمت له دراسة عام 1993 م في كتابي ( سقوط مملكة الشعر في الضحي ) بجانب عدة مقالات في بعض الصحف و المجلات و المواقع الالكترونية فهو شاعر يستحق بجدارة ان نتوقف معه ساعات و ساعات فعالمه يفيض بالعديد من جوانب فنية تجعل المتابع في نهم و انفتاح دائم مع شخصيته المركبة تحتاج الي تحليل و تفسير حسب الاغراض و المقومات و من هنا كانت هذه التغريدة —
ولد شاعرنا العملاق ” صالح علي شرنوبي ” بمدينة بلطيم بمحافظة كفر الشيخ.جمهورية مصر العربية عام 1924 م
حفظ القرآن الكريم وعمره 10 سنوات وحصل على الابتدائية من معهد القاهرة عام 1939م. حصل على الثانوية الأزهرية من المعهد الأحمدي بطنطا عام 1947 م.
كما حاول الالتحاق بدار العلوم بعد أن اجتاز الامتحان التحريري. التحق بكلية أصول الدين ثم هجرها بعد سبعة أشهر من الدراسة. بعد عام من تركه كلية أصول الدين عاد إلى بلطيم ليعمل مدرسا بالمدرسة الابتدائية. ترك بلطيم إلى القاهرة.
ثم يذهب الي القاهرة و يقيم مع جبل المقطم داخل بدروم ليبدع وسط هذا العالم الغريب العجيب الساحر كحياة الشعراء الصعاليك و الحرافيش اكسبته تعبيرات و الغوص في قاع المجتمع تجربة ثرية فنية فريدة رائعة شكلا و مضمونا كيفا و كما مع المدارس و المذاهب الفنية الادبية —
و قد عمل مدرسا بمدرسة أجنبية للبنات هي مدرسة “سان جورج” وكتب أغنيات بعض الأفلام لاقي رعاية كامل الشناوي بمأساة الشاعر صالح الشرنوبي فعينه مصححا في جريدة (الأهرام) لحد ما
نهاية مأساوية خاتمة لمطاف العباقرة دائما :
في إجازة عيد الأضحى عاد الشاعر إلى بلطيم لتكون النهاية الحزينة، ولتشيع بلطيم شاعرها إلى مثواه الاخير يوم 17 سبتمبر 1951 م الموافق 15 من ذي الحجة 1370 هجرية.
آثاره الادبية :
خلف صالح الشرنوبي عدة دواوين وبعض الأزجال والقصص القصيرة والمسرحيات ، وقصائد النثر والشعر الحر جمعت كلها في مطبوع ضخم (675 صفحة) في سلسلة “من تراثنا” مع مقدمة للدكتور عبد الحي دياب 0
و كم قاسي الحرمان و عاش القلق و التمرد برغم أنه من أسرة ثرية و من الوجهاء :
رأيت حظوظ الناس شتى فجاهل—أمير..وأهل العلم في كفه أسرى
ونابغة فذ..يعيش مُشردا—يكابدُ من أيامه الذ ُل والفقرا
فإن مات هب النائمون فأمطروا—ثراه الجديب القفر مدمعهم ثرا
وراحوا يحيون الرميم بذكره—وهيهات أن تجدي على الميت الذكرى
لقد كان يرجو القوت لا مؤمنا به—فظنوه يرجو المستحيل أو الكـُفرا
فأيهما أختارُ لو كنتُ مثلهُ؟–لعلي بحظ الفدم ِ في سعده أحرى

الشرنوبي في مستشفي المجانيين و عبقرية حيلته في الخروج :
——————————— ————————-
و بعد مداولات طويلة أهله أدخلوه مستشفى العباسية للأمراض العقلية بناء على نصيحة طبيب ، فأرسلوه إلى مستشفى المجانين وما هو بمجنون !! .

لكنها طبائع الشعراء المجنونة التي تجعلهم يقومون بمثل هذه الأعمال
وفي مستشفى المجانين حاول صالح جاهدا أن يقنع الأطباء أنه بكامل قواه العقلية وقرأ عليهم بعض أشعاره .
وخرج صالح من مستشفى المجانين , لكنه لم يلبث طويلا حتى عاد إليها من جديد كما يحكي شقيقه طلعت رحم الله الجميع في مقدمة الديوان ، فيقول :
بناء على نصيحة نفس الطبيب فقد عاد صالح إلى المستشفى بعد أربعة أشهر وقد أوثقوه بالحديد وألبسوه قميص المجانين …
ولأنه كان عاقلا بالفعل وخائفا على نفسه من تصرفات المجانين من حوله بالمستشفى فقد احتاط لنفسه واحتال على المجانين بحيلة ظريفة بأن رسم لهم بالطباشير على الأرض خطا وقال لهم إن من يستطيع العبور من أسفل هذا الخط سأعطيه مائة جنيه .
وسالت الدماء من رؤوس المساكين يومها وهم ينطحون الأرض لولا أن مر عليهم بعض الأطباء والممرضين .
و كان له اختا اسمها ” هيام ” و كان يحبها حبا جما حيث لها ظروف خاصة فكتب فيها أعظم قصيدة عربية نقشت في ديوان شعرنا العربي يقول فيها الشرنوبي :
أختي قصيدة شاعر الغزل
أختي تميمة ساحر الخبل
أختي هيام وأنت من أملي
لأنا الحزين عليك يا أختي

ثم يصف كيف كانت الأسرة تعاملها :
وتقول أمي حين تلقاك
يا ليت قلبي ما تمناك
أو ليت مهدك كان مثواك
وإذا ما الكرى نادى الخليينا
فأجبته وهجرت نادينا
قالوا نأى من كان يسلينا
فأقول بل من كان يبكينا

و ها هو يطوف بنا مع لحن الغزل صائحا :
عشقتها من بنات الكوخ طاهرة
عذراء من نظرته عاش مسحورا
وضمنا الدهر حينا ثم فرقنا
وأبعد النور عمن يعشق النورا
ثم يمضي الشرنوبي مترنما مع فحول شعراء العرب القدامي حيث يصور لنا قصائده الرائعة قائلا :
ذكرتك والذكرى تضاعف من كربى
فغنى لحون الدمع فى كهفه قلبى
يخالجه طيفان : طيف يذيبه
حنينا ، وطيف محرق كلظى الجدب
هو البين لم يخلقه من قدر الهوى
لغير عذاب العاشق المذنب الصب

( قصيدة الشرنوبي : خمسة و عشرونا عاما ) :
———————————————

و أخيرا نختم حديثنا عن ذكراه مع قصيدة الشرنوبي ” خمسة و عشرون عاما ” تلخص رحلة عمره القصيرة و التي مليئة بالأحداث الجسام :
و هو يذكرنا فيها بمالك بن الريب الذي رثا نفسه من قديم الزمان في صفحات شعرنا العربي ثم نحي تجاه هذا الاتجاه البعض ايضا —

و أري أن قصيدته التي رثي فيها نفسه و هو علي قيد الحياة لحصاد عمره الزمني القصير ” خمس و عشرون عاما ”
كفيلة أن تجعله في ريادة مقدمة ديوان الشعر العربي .
فهو شاعر مبدع موهوب مرهف صاحب عبقرية و ثقافة متنوعة مجدد مضمونا و قالبا .
مع قصيدة ( خمس و عشرون عاما ) الذي افاض و ابدع فيها الشرنوبي حاملا لنا حرمانه و تأملاته و همومه و أحلامه مع حصاد رحلة العمر:
خمس وعشرون عاما مرّت سحابا جهاما
فما زرعن صفاءً ولا حصدن سلاما
وما زرعن سوى اليأ س ناضرا بسّاما
ولا حصدن سوى العم ر أنجما تترامى
يدور رأسي إذا ما حسبتها أياما
وأفقد العقل إمّا حستها أحلاما
مشيت فيها على الشو ك لا أملّ اعتزاما
أكافح الحقد والحا قدين والأوهاما
واليأس والؤس واله م والأسى والأناما
وأجبَهُ الدهر فردا ذا مِرّة مقداما
أسقى المنايا منايا من همّتي وسماما
وكلما راش دهري سهما بريت سهاما
وكلما اعوجّ رمحي قوّمته فاستقاما
لا يعرف الخوف قلبي ولا أهاب انهزاما
ولا أُبالي جرى الحظ مدبراً أم أقاما
ما دام عزمي جليداً على الزمان هماما
وملءُ ثوبي من الصيد أروَعٌ لا يُسامى
حلبت دهري وحظى فما بللت أُواما
ولا اصطنعت خلوداً ولا ادّخرت حطاما
خمس وعشرون عاما ذابت جوى وسقاما
تهوى على أمّ رأسي حجارة ورجاما
كأنما ترجمُ النو ر فيه والأنغاما
وتلتظى في حيالي سحبا تفيض ضراما
لم أدر فيم تولّت وكيفما وإلى ما
وسوف أبلغ حيني كما بلغت الفطاما
والجهلُ آخر علمي وإن دعيتُ الإماما
سئمت ذاتي وظلّى وصبوَتي والغراما
وصار أقصى أمانيّ أن أذوق الحماما
وبات عيشى على الأر ض محنةً وغراما
سئمت حتى التمنّى والدمع والإبتساما
والأرض والساكنيها والأفق والأجراما
والحسن والعاشقيه والزهر والأنساما
والشعر والفكر والفنّ والهوى والهياما
والليل يشبه حظّى والنور يحكي الظلاما
فلست أطلب شيئا مهما دنا أو تسامى
وما أريد حلالاً من المنى أو حراما
حسبي وفوق مرادي ألّا أطيل المُقاما
وأن أرى لحياتي نهايةً وختاما
يا ربّ لا زلت حيّاً أُصارع الأيّاما
أطفو على السطح ظِلّاً من السكون مقاما
وأسكنُ القاع روحاً معذبا مستهاما
لا يرحم السطح ضعفى ولا يقيني انحطاما
ولا أرى لي في القا ع مضجعاً أو مناما
ولى في الأرض قبر سيحتويني رماما
لا بد منه وإن طا ل بي المقام وداما
يا ربّ فاقض على شقو تي وهبني السلاما
وفي يديك زمامي فلا تمد الزماما
ويا رفاق حياتي وصفوتي والندامى
دنا الرحيل فلا تق طعوا لعهدي ذماما
وإن جزعت فلا تس رفوا عليّ ملاما
وإن مضيت فلا تذ رفوا الدموع السجاما
خفّوا إلى حمل نعشي وألبسوني القتاما
وأشبعوني وداعا وحطّموا الأقلاما
وتوجوا بالأقاحي جبّانتي والخُزامى
واستغفروا لي في ا طالما اقترفتُ الأثاما
ولم أُراقب لجهلي الواحد العلّاما
فإن مررتم بقبري مسلّمين لماما
فلم أحيّ صديقا ولم أردّ سلاما
فلا تقولوا طواه الب لى رحيقا وجاما
فربّما كان موتى بعثاً وصمتي كلاما
وربما صار جسمي تحت الرغام رغاما
وذبت في الطين طينا فما أريد انقساما
وإن جعلت الدياجى كأسا وصمتي مداما
فلا تثيروا ظُنونا ولا تديروا اتهاما
وودّعوني خفافا كما أتيتم كراما
ولا تزيدوا زحام القب ور حولي زحاما
ولا تقولوا فقدنا ه في الخطوب حساما
أو مات لم يقض حقّاً ولم يبلغ مراما
فحسب حيٍّ شقاء خمس وعشرون عاما
——
و يصور ملامح نفسه بين الوجود فيقول ملخصا لنا موكبه :

أنا فى شعرى وشعرى قصتى
لست فى جسمى ولا فى رسمه
بين كفيك وجودى خافقا
وفؤادى غارقا فى دمه

اتمني ان اكون استوفيت بعض الجوانب في شعر و شخصية الشرنوبي في هذه التغريدة ، و لم لا فهو يستحق منا الكثير و الكثير فقد ترك لنا ديوانا زاخرا بشتي الفنون الادبية دائما سلاما علي الشرنوبي في سجل الخالدين دائما

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى