دراسات و مقالات

مع الشاعر الكبير الجنوبي ” أمل دنقل “

السعيد عبد العاطي مبارك

 

مع الشاعر الكبير الجنوبي ” أمل ” 1940 : 1983 ”
و أوراق غرفة رقم ” 8 ” من عنابر المستشفي !! .
صورة
هل أنا كنت طفلاً
أم أن الذي كان طفلاً سواي
هذه الصورة العائلية
كان أبي جالساً، وأنا واقفُ .. تتدلى يداي
رفسة من فرس
تركت في جبيني شجاً، وعلَّمت القلب أن يحترس
أتذكر
سال دمي
أتذكر
مات أبي نازفاً
أتذكر
هذا الطريق إلى قبره
أتذكر
” من قصيدة الجنوبي ”
—–
في غُرَفِ العمليات,
كان نِقابُ الأطباءِ أبيضَ,
لونُ المعاطفِ أبيض,
تاجُ الحكيماتِ أبيضَ, أرديةُ الراهبات,
الملاءاتُ,
لونُ الأسرّةِ, أربطةُ الشاشِ والقُطْن,
قرصُ المنوِّمِ, أُنبوبةُ المَصْلِ,
كوبُ اللَّبن,
كلُّ هذا يُشيعُ بِقَلْبي الوَهَنْ.
كلُّ هذا البياضِ يذكِّرني بالكَفَنْ!
فلماذا إذا متُّ..
يأتي المعزونَ مُتَّشِحينَ..
بشاراتِ لونِ الحِدادْ?
هل لأنَّ السوادْ..
هو لونُ النجاة من الموتِ,
لونُ التميمةِ ضدّ.. الزمنْ,
” أوراق غرفة 8 ”
————-
“لاشئ يثبت أني حي، ولا شئ يثبت أني ميت، الجنوبي يحفظ شعر الصعاليك عن ظهر قلب، ويشبههم في سليقتهم وابتكار المدى” هكذا رثي الشاعر الفلسطيني محمود درويش، الشاعر الراحل أمل دنقل، أمير شعراء الرفض .

نعم أقول في البداية كانت هذه الارهاصات مع هذا الشاعر الفحل الذي عرفته منذ نعومة أظفاري ، و منذ أمسية شعرية للراحل فاروق شوشه الشاعر و الاذاعي و قد استضافه حينما عايش لحظات المرض الأخيرة و قرأ شعره و ناقش شوشة أمل دنقل حل تجربة الشعر المعاصر و من ثم صدح أمل الطائر الجنوبي بمختارات من شعره بين ظلال ديوانه ( البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” – بيروت 1969)
و قصيدته ” الجنوبي و التي يقول فيها : هل أنا كنت طفلاً/ أم أن الذى كان طفلاً سواى”
و تحدث فيها الجنوبى أمل دنقل عن ذاته تقريبا وعن إحساسه بالأشياء.
و أوراق غرفة 8 ——
و من ثم روحت أقلب في أشعاره من خلال المجلات و اتابع المقالات و الدراسات و ديوانه : البكاء بين يدي زرقاء اليمامة . و أعجبت به قلبا و قالبا نموذجا جديدا يتصدر خريطة شعرنا المعاصر برغم حصار المرض له لكنه أبي ألا يسجل لنا نبض مشاعره الصادقة في شموخ الكلمات فكتبت عنه دراسة و بعض المقالات وفاء منا بفضله في واحة الابداع و اليوم نعود من جديد في ذكريات الجنوبي توأم الأبنوي فكلاهما ملامح صعيد مصر المحروسة بين ضفاف النيل تطفو قصائد الفصحي و العامية تحكي موال العبقرية و الخلود معا .
ثم تلا قصيدته الحزينة التي تعد رثائه لذاته مع موكب الحياة و منتهي فلسفته للحظة الوداع حيث سجل لنا كل شيء في عنبر ( 8 ) بالمستشفي أبيض من أقراص الدواء و القطن و الشاش و ملابس الأطباء و كوب اللبن ، … الخ .
حيث يقول في مطولته التي تؤرخ لسرير الوجع بالمشفي في سرد حزين يهيج مشاعر الألم و الحيرة و القلق يقول الجنوبي واصفا لنا نهايته المأساوية حيث يودع الشعر و يغمد القلم من علي سريره الباهت :
كان يسكن قلبي
وأسكن غرفته
نتقاسم نصف السرير،
ونصف الرغيف
ونصف اللفافة،
والكتب المستعارة

نعم أنه صوت الجنوب الذي تلاقي مع صوت الجنوب الأخر لفارس العامية ” الخال عبد الرحمن الأبنودي ” فكلاهما وجه و مرايا صعيد مصر المحروسة التي أنجبت العمالقة منذ فجر المحروسة و ليست أساطير و حياة الفراعنة ببعيد فشعرهما بوتقة انصهرت فيها ملام الانسان المصري القديم ذات البشرة السمراء المعجونة بطمي النيل الخالد نسبح بين عوالمه نرصد بعض القيم في شعره الرائع الذي هو صوت الحقيقية في حياتنا المعاصرة و شعر أمل دنقل بمثابة وجه صفحات هذا الزمن و آثار تلك الوادي هكذا !! .

نشـــــــــأته :
————

لد في عام 1940 بقرية “القلعة”, مركز “قفط” على مسافة قريبة من مدينة “قنا” في صعيد مصر.

كان والده عالماً من علماء الأزهر, حصل على “إجازة العالمية” عام 1940, فأطلق اسم “أمل” على مولوده الأول تيمناً بالنجاح الذي أدركه في ذلك العام. وكان يكتب الشعر العمودي, ويملك مكتبة ضخمة تضم كتب الفقه والشريعة والتفسير وذخائر التراث العربي, التي كانت المصدر الأول لثقافة الشاعر.

فقد أمل دنقل والده وهو في العاشرة, فأصبح, وهو في هذا السن, مسؤولاً عن أمه وشقيقيه.

أنهى دراسته الثانوية بمدينة قنا, والتحق بكلية الآداب في القاهرة لكنه انقطع عن متابعة الدراسة منذ العام الأول ليعمل موظفاً بمحكمة “قنا” وجمارك السويس والإسكندرية ثم موظفاً بمنظمة التضامن الأفرو آسيوي, لكنه كان دائم “الفرار” من الوظيفة لينصرف إلى “الشعر”. عرف بالتزامه القومي وقصيدته السياسية الرافضة ولكن أهمية شعر دنقل تكمن في خروجها على الميثولوجيا اليونانية والغربية السائدة في شعر الخمسينات, وفي استيحاء رموز التراث العربي تأكيداً لهويته القومية وسعياً إلى تثوير القصيدة وتحديثها.

عرف القارىء العربي شعره من خلال ديوانه الأول “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” (1969) الذي جسد فيه إحساس الإنسان العربي بنكسة 1967 وأكد ارتباطه العميق بوعي القارىء ووجدانه.

لازمه مرض السرطان لأكثر من ثلاث سنوات صارع خلالها الموت دون أن يكفّ عن حديث الشعر, ليجعل هذا الصراع “بين متكافئين: الموت والشعر” كما كتب الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي.

توفي إثر مرض في أيار / مايو عام 1983 في القاهرة.

مع شاعرية دنقل تراث و مرض و هزيمة و نصر :
———————————————-
حول شاعريته الممزوجة بتجارب العبقرية و الهزيمة و الوهم والبكاء و مرارة الانكسار مع نكسة 67 حتي النصر 73 و موقفه من التصالح في رائعته ” لا تصالح ” .

و من ثم قد لخص أمل دنقل قصة الصراع في عالمنا مستحضرا مشهد الحسيني من جديد حيث يقول :
والقصيدة جميلة، وجارحة. وتبدأ بسؤال الشيخ: لماذا مات الحسين في كربلاء؟ فيجيبه: ماتَ من أجل جرعة ماء… ويضيف: أخذته السيوف من أجل الذهب المتلألىء في كل عين…
“إن تكن كلماتُ الحسين / وسيوف الحسين / وجلالُ الحسين / سقطت دون أن تنقذ الحقّ من ذهب الأمراءْ / أفتقدر أن تنقذ الحقّ ثرثرةُ الشعراء / والفراتُ لسانٌ من الدمِ لا يجد الشفتين؟…”.
تروي عبلة الرويني، زوجته، في كتابه الذي صدر عنه بعنوان “الجنوبي”:
وفيه تفاصيل عن حياتهما معاً القصيرة، وعن بعض علاقاته وصداقاته وعداواته الأدبية والحياتية، أنهم حذروها منه قبل اللقاء الأول به، لإجراء مقابلة صحافية معه. قالوا لها: “حذارِ، ستجدينه سليط اللسان، شديد القبح”. وتروي أنه كان في بعض أفكاره “نيتشوّياً” نسبة لنيتشه، وأنّ الأدباء كانوا يتحاشونه لخشونته، وأنهم كانوا يتحاشون المرور أمام مقهى ريش في القاهرة الذي كان معتاداً على الجلوس فيه… وأنه حين التقاها لأول مرّة، وكانت خجلة من بعض البثور في وجهها، قال لها إنه يحبّ هذه البثور بالذات، وأن صديقاً مغربيّاً زارهما وكان شديد الإعجاب به، وكان أعرج يتوكأ على عكاز، ففاجأه أمل بقوله: أهلاً بالأعرج… وأنه أخيراً، في أخريات أيامه وهو في مستشفى الأمراض السرطانية، في الغرفة رقم 8 بالذات، كان يقلع أضراسه بالكماشة، وقد أصرّ على قلع ضرسٍ من هذه الأضراس، وإهدائه إليها… حسناً. إنه أمل دنقُل.
مع أعماله الشـــــــــعرية :
————————

صدرت له ست مجموعات شعرية هي:

البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” – بيروت 1969,

تعليق على ما حدث” – بيروت 1971,

مقتل القمر” – بيروت 1974,

العهد الآتي” – بيروت 1975,

أقوال جديدة عن حرب البسوس” – القاهرة 1983,

أوراق الغرفة 8″ – القاهرة 1983.

ثم أعماله الكاملة .

مختارات من شــــــــعره :
————————

“هل أنا كنت طفلاً/ أم أن الذى كان طفلاً سواى”
مدخل قصيدة الجنوبى التى تحدث فيها أمل دنقل عن ذاته تقريبا وعن إحساسه بالأشياء.

مع قصيدته ” الجنوبي ”
“هل أنا كنت طفلاً أم أن الذي كان طفلاً سواي هذه الصورة العائلية كان أبي جالساً، وأنا واقفُ.. تتدلى يداي رفسة من فرس تركت ـــــــ
(صورة)
هل أنا كنت طفلاً
أم أن الذي كان طفلاً سواي
هذه الصورة العائلية
كان أبي جالساً، وأنا واقفُ .. تتدلى يداي
رفسة من فرس
تركت في جبيني شجاً، وعلَّمت القلب أن يحترس
أتذكر
سال دمي
أتذكر
مات أبي نازفاً
أتذكر
هذا الطريق إلى قبره
أتذكر
أختي الصغيرة ذات الربيعين
لا أتذكر حتى الطريق إلى قبرها
المنطمس
أو كان الصبي الصغير أنا ؟
أم ترى كان غيري ؟
أحدق
لكن تلك الملامح ذات العذوبة
لا تنتمي الآن لي
و العيون التي تترقرق بالطيبة
الآن لا تنتمي لي
صرتُ عني غريباً
ولم يتبق من السنوات الغريبة
الا صدى اسمي
وأسماء من أتذكرهم -فجأة-
بين أعمدة النعي
أولئك الغامضون : رفاق صباي
يقبلون من الصمت وجها فوجها فيجتمع الشمل كل صباح
لكي نأتنس.
(وجه)
كان يسكن قلبي
وأسكن غرفته
نتقاسم نصف السرير
ونصف الرغيف
ونصف اللفافة
والكتب المستعارة
هجرته حبيبته في الصباح فمزق شريانه في المساء
ولكنه يعد يومين مزق صورتها
واندهش.
خاض حربين بين جنود المظلات
لم ينخدش
واستراح من الحرب
عاد ليسكن بيتاً جديداً
ويكسب قوتاً جديدا
يدخن علبة تبغ بكاملها
ويجادل أصحابه حول أبخرة الشاي
لكنه لا يطيل الزيارة
عندما احتقنت لوزتاه، استشار الطبيب
وفي غرفة العمليات
لم يصطحب أحداً غير خف
وأنبوبة لقياس الحرارة.
فجأة مات !
لم يحتمل قلبه سريان المخدر
وانسحبت من على وجهه سنوات العذابات
عاد كما كان طفلاً
سيشاركني في سريري
وفي كسرة الخبز، والتبغ
لكنه لا يشاركني .. في المرارة.
(وجه)
ومن أقاصي الجنوب أتى،
عاملاً للبناء
كان يصعد “سقالة” ويغني لهذا الفضاء
كنت أجلس خارج مقهى قريب
وبالأعين الشاردة
كنت أقرأ نصف الصحيفة
والنصف أخفي به وسخ المائدة
لم أجد غير عينين لا تبصران
وخيط الدماء.
وانحنيت عليه أجس يده
قال آخر : لا فائدة
صار نصف الصحيفة كل الغطاء
و أنا … في العراء
(وجه)
ليت أسماء تعرف أن أباها صعد
لم يمت
هل يموت الذي كان يحيا
كأن الحياة أبد
وكأن الشراب نفد
و كأن البنات الجميلات يمشين فوق الزبد
عاش منتصباً، بينما
ينحني القلب يبحث عما فقد.
ليت “أسماء”
تعرف أن أباها الذي
حفظ الحب والأصدقاء تصاويره
وهو يضحك
وهو يفكر
وهو يفتش عما يقيم الأود .
ليت “أسماء” تعرف أن البنات الجميلات
خبأنه بين أوراقهن
وعلمنه أن يسير
ولا يلتقي بأحد .
(مرآة)
-هل تريد قليلاً من البحر ؟
-إن الجنوبي لا يطمئن إلى اثنين يا سيدي
البحر و المرأة الكاذبة.
-سوف آتيك بالرمل منه
وتلاشى به الظل شيئاً فشيئاً
فلم أستبنه.
.
.
-هل تريد قليلاً من الخمر؟
-إن الجنوبي يا سيدي يتهيب شيئين :
قنينة الخمر و الآلة الحاسبة.
-سوف آتيك بالثلج منه
وتلاشى به الظل شيئاً فشيئاً
فلم أستبنه
.
.
بعدما لم أجد صاحبي
لم يعد واحد منهما لي بشيئ
-هل نريد قليلاً من الصبر ؟
-لا ..
فالجنوبي يا سيدي يشتهي أن يكون الذي لم يكنه
يشتهي أن يلاقي اثنتين:
الحقيقة و الأوجه الغائبة
ي جبيني شجاً، وعلَّمت القلب أن يحترس أتذكر سال دمي أتذكر مات أبي نازفاً أتذكر هذا الطريق إلى قبره أتذكر أختي الصغيرة ذات الرمع القصيدة الأخيرة بيعين لا أتذكر حتى الطريق إلى قبرها المنطمس”
و ها هي القصيدة الأخيرة ( غرفة رقم 8 ) من عنابر المستشفي للشاعر أمل دنقل يرصد منها مدي مأساته و حالة الحزن و هي لا تختلف عن أوجاع العزلة فكلاهما سجن مقيد للحركة و الابداع و الانسجام مع الحياة الطبيعية —-
أجل نحن نعيش مع تجربته من داخل —

أوراق الغرفة 8 – القاهرة 1983. و قد حكت تفاصيلها زوجته الكاتبة عبلة الرويني كاملة في عمل أدبي —- لكننا نختزل بعض السطور نقدمها كشاهد و دليل علي تعميق و توثيق فكرتنا هنا بين السجن و المستشفي حيث المأساة لمن يعيش بداخلهما أيام حصاد عمره مع الحياة التي تنقضي نحو الممات —–
“أوراق الغرفة رقم 8”.. كانت هي آخر ما سطره أمل دنقل في كتاب حياته، رغم بلوغ نضجه الشعري ذروته إلا أن “أمل” وجد حياته تفتقد جزءًا كبيرًا من اسمه حتى بدأت شمس حياته في الغروب، وإنهك قلمه الذي طالما نادى بالحرية والعدل وناهض من أجل السياسة إلا أنه قرر أن يدون لحظاته الأخيرة على فراش الموت في هدوء قاتل بعيدًا عن ضجيج السياسة ومتاعبها.
وقع اختيار “أمل” على هذا الاسم، حيث كانت رقم غرفته الخاصة التي شهدت أيامه الأخيرة في معهد الأورام، وكانت قصيدة “سرير” هي التي عبرت عن آلامه ومعاناته خلال فترة مرضه، ورغم متاعب مرضه إلا أن شعر أمل دنقل واجه ذلك المرض اللعين المسمى بـ”السرطان”.
وروت حبيبته عبلة الرويني، تفاصيل عن شخصية أمل، قائلة: “صخري شديد الصلابة، لا يخشي شيئًا ولا يعرف الخوف أبدًا.. لكن من السهل إيلام قلبه”، وأخذ المرض ينتشر في جسمه حتى أجبره على القبوع في الغرفة 8، التي وصفتها عبلة أنها ‘أول بيت حقيقي لنا.. ومكثنا فيه عامًا ونصف”.
أصيب امل دنقل بالسرطان وعانى منه لمدة تقرب من ثلاث سنوات وتتضح معاناته مع المرض في مجموعته “أوراق الغرفة 8” وهو رقم غرفته في المعهد القومي للأورام والذي قضى فيه ما يقارب الأربع سنوات، وقد عبرت قصيدته السرير عن آخر لحظاته ومعاناته، وهناك أيضاً قصيدته “ضد من” التي تتناول هذا الجانب، والجدير بالذكر أن آخر قصيدة كتبها دنقل هي “الجنوبي”.
أتذكَّر
سال دمي
أتذكَّر..
مات أبي نازفا..
أتذكر
هذا الطريق إلى قبره
أتذكر..
أختي الصغيرة ذات الرَّبيعين
لا أتذكَّرُ حتى الطَّريقَ إلى قبرها !
المنطمِس
أو كان الصبيُّ أنا ؟
أم تُرى كان غيري؟
أحدِّق..
لكن تلك الملامح ذات العذوبة
لا تنتمي الآن لي
العيون التي تترقرق بالطِّيبة
الآن لا تنتمي لي
صرت غريبا
صرت عني غريبا
ولم يتبق من السنوات الغريبة
إلا صدى اسمي..
وأسماء من أتذكرهم-فجأة-
بين أعمدة النعي
أولئك الغامضون :رفاق صباي
يقبلون من الصمت وجها فوجها..
فيجتمع الشمل كل صباح
لكي نأتنس
كان يسكن قلبي
وأسكن غرفته
نتقاسم نصف السرير،
ونصف الرغيف
ونصف اللفافة،
والكتب المستعارة
عندما احتقنت لوزتاه،استشار الطبيب
وفي غرفة العمليات..
لم يصطحب أحدا غي خف..
وأنبوبة لقياس الحرارة
فجأة مات!
لم يحتمل قلبه سريان المخدر،
وانسحبت من على وجهه سنوات العذاب
-هل تريد قليلا من الصبر؟
-لا
فالجنوبي يا سيدي يشتهي أن يكون الذي لم يكنه
يشتهي أن يلاقي اثنتين:
الحقيقة –والأوجه الغائبة
الورقة الأولى :
ضِّد من ؟
في غُرَفِ العمليات,
كان نِقابُ الأطباءِ أبيضَ,
لونُ المعاطفِ أبيض,
تاجُ الحكيماتِ أبيضَ, أرديةُ الراهبات,
الملاءاتُ,
لونُ الأسرّةِ, أربطةُ الشاشِ والقُطْن,
قرصُ المنوِّمِ, أُنبوبةُ المَصْلِ,
كوبُ اللَّبن,
كلُّ هذا يُشيعُ بِقَلْبي الوَهَنْ.
كلُّ هذا البياضِ يذكِّرني بالكَفَنْ!
فلماذا إذا متُّ..
يأتي المعزونَ مُتَّشِحينَ..
بشاراتِ لونِ الحِدادْ?
هل لأنَّ السوادْ..
هو لونُ النجاة من الموتِ,
لونُ التميمةِ ضدّ.. الزمنْ,
***
ضِدُّ منْ..?
ومتى القلبُ – في الخَفَقَانِ – اطْمأَنْ?!
***
بين لونين: أستقبِلُ الأَصدِقاء..
الذينَ يرون سريريَ قبرا
وحياتيَ.. دهرا
وأرى في العيونِ العَميقةِ
لونَ الحقيقةِ
لونَ تُرابِ الوطنْ

هذه كانت أهم ملامح الجنوبي أمل دنقل الذي تحدي المرض و الحصار و كتب أروع الأشعار التي تصف الصراع و تختصر مشاهد التاريخ من خلال يوميات الجنوب موال النيل الذي يعانق القاهرة في غرفة رقم 8 حيث ينتظر الأمل أو الرحيل فسجل لنا قصائده التي تؤرخ لأهم قضايا الحياة و ها هي تنطق بجمال الفلسفة في سؤال وجواب يؤدي الي الحقيقة الغائبة بيننا من خلال ذكرياته معها دون توقف فكان دنقل بمثابة همزة وصل بين القديم و الجديد في رؤية تأصيلية تكشف لنا مدي عمق دلالات النص الذي يحمل لنا خصائصه التي تذخر بكل مقوماته الفنية و الابداعية شكلا و مضمونا دائما .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى