دراسات و مقالات

رثاء المدن في الشعر العربي

السعيد عبد العاطي مبارك - الفايدي

رائعته:
بكيت.. حتى انتهت الدموع
صليت.. حتى ذابت الشموع
ركعت.. حتى ملّني الركوع
سألت عن محمد، فيكِ وعن يسوع
يا قُدسُ، يا مدينة تفوح أنبياء
يا أقصر الدروبِ بين الأرضِ والسماء ٠٠
” من قصيدة نزار قباني ”
***
عندما تطوف مع فنون الادب العربي ، و أغراض الشعر العربي ، عبر رحلة الزمان و المكان مع الإنسان هكذا ٠
نتوقف مع لوحات فنية تنطق بالحكمة و الجمال معا ٠
و نتأمل غرض ( الرثاء ) في شعرنا العربي بأقسامه ” الندب و العزاء و التأبين ” ٠
للإنسان و المدن و الحيوان ٠٠٠ الخ ٠
و قد قدمنا لوحات فنية عديدة من قبل في مؤلف و بحث و مقال لفن الرثاء ٠
حيث الصدق و التأثر بهذا اللون الذي يعد من أهم الاغراض الشعرية قديما وحديثا ، فالشاعر في رأي المتواضع يجد فرصة حقيقية سانحة ليعبر عن واقعه وخياله و يستلهم ذكرياته من عبقرية ثالوث البعد الإنساني و المكاني و الزمني في حلقة متصلة متأثرا بالأوضاع التي تظل حالة مضطربة تتصدر مشهد الابداع بمشاعر الصدق من أجل فقدان شيء عزيز عليه سواء انسان او بلد او حيوان ، فكلها معطيات تتوافر داخلها المعاني و الصور و الايقاعات الحزينة ٠٠
و لم لا فالشعر شعور يجسد رؤية مت منظور له دلالات بنائية تختصر مسافات لحظة التأثر للواقع من أجل الإيمان بكرة واقعية فيرسمها بالكلمات ٠٠
فكم من عزيز رحل و كتبت فيه عيون المراثي، و بعض الحيوانات مثل الهرة و الجمل و الحصان و الطيور ٠٠٠ هلم جرا ٠
و يبقي لنا أن نستعرض في عجالة رثاء المدن في شعرنا العربي في هذه التغريدة الهادفة لربط موضوعات الادب و لا سيما الشعر ديوان العرب تجسيدا واقعيا من ظواهر و تجارب التاريخ الانساني ٠

فقد قرأت كتاب ( الرثاء – لأستاذنا الجيل العلامة الدكتور شوقي ضيف ) ٠
فكان مدخلا لفتح الآفاق لهذا اللون اليوم إعادة و صياغة لمرايا تاريخ الأدب العربي و رحلة الشعر عبر العصور حتي العصر الحديث المعاصر اضافات عديدة عمودي و تفعيلي حر ٠٠٠

* مع رثاء المدن :
===========
و في البداية نلاحظ أن ظاهرة رثاء المدن:
هو إحدى موضوعات الشعر العربي، ظهر في الدولة العباسية ، في العصر العباسي و تزعمه ( ابن الرومي) الذي برع في فن الرثاء فقد رثا أولاده وزوجته و غربته و المدن أيضا فكان فاتحة في هذا اللون بحق .
و لكنه ظهر بعد ذلك في موضوع رثاء المدن بقوة في الأندلس، واتسع وازداد غزارة وعمقا وذلك راجع لما آلت إليه الأندلس من نكسات وسقوط لولاياتها.
ومن أهم شعراء رثاء المدن في العصر الأندلس أبو البقاء الرندي.
ثم توالت الأحداث مع حركة التاريخ و وتطورها في سلسلة ٠٠

نتوقف مع رثاء البصرة و بغداد و القيروان و الاندلس و القدس ٠٠٠ الخ ٠

* ابن الرومي في رثاء مدينة البصرة :
———————
ها هو ابن الرومي يقدم لنا لوحة حزينة في رثاء و خراب المدن فيقدم أروع رثاء إنساني لخراب البصرة، يعطي الدرس و العَبرة للعِبرة فيقول فيها :

ذادَ عن مقلتي لـــذيذ المنــام

شغلها عنه بالدموع السجام ِ

أيُّ نوم ٍمن بعد ما حلّ بالبصـ

ـرةِ من تلكمُ الهنات العظام ِ

إنَّ هذا من الأمـــورِ لأمـــــــرٌ

كادَ أنْ لا يقومُ في الأوهام ِ

لهف نفسي عليك أيّتها البصـــ

ــرة ُلهفا كمثل لهبِ الضّرام ِ

* رثاء مدينة السلام ( بغداد ) :
——————-
للشيخ الشاعر شمس الدين الكوفي الواعظ ، من قصيدة طويلة ، من جياد الشعر ؛ يذكر خراب بغداد وقتل الخليفة المستعصم بالله :
(عبد الله بن منصور بن محمد بن أحمد بن الحسن، أمير المؤمنين أبو احمد المستعصم بالله بن المستنصر بالله بن الظاهر بن الناصر بن المستضيء البغدادي، آخر خلفاء بني العباس ببغداد؛ كان ملكهم من سنة اثنتين وثلاثين ومائة إلى سنة ست وخمسين وستمائة ) :
عنـدي لأجــل فراقـكـم آلام == فـإلام أعــذل فيـكـم وألام
من كان مثلي للحبيـب مفارقـاً == لا تعذلـوه فالـكـلام كــلام
نعم المساعـد دمعـي الجـاري == علـى خـدي إلا أنـه نـمـام
ويذيب روحي نوح كل حمامـة == فكأنمـا نـوح الحمـام حمـام
إن كنت مثلـي للأحبـة فاقـداً == أو في فـؤادك لوعـة وغـرام
قف في ديار الظاعنين ونادهـا == يا دار ما صنعـت بـك الأيـام
أعرضت عنك لأنهم مذ أعرضوا == لم يبق فيـك بشاشـة تستـام
يا دار أين الساكنون وأيـن ذياك == البهـاء وذلـك الإعظام
يا دار أين زمان ربعـك مونقـاً == وشعـارك الإجـلال والإكـرام
يا دار مذ أفلت نجومـك عمنـا == والله من بعـد الضيـاء ظـلام
فلبعدهم قرب الـردى ولفقدهـم == فقد الهـدى وتزلـزل الإسـلام
فمتى قبلت من الأعادي ساكنـاً == بعد الأحبـة لا سقـاك غمـام
يا سادتي أمـا الفـؤاد فشيـق == قلـق وأمـا أدمعـي فسجـام
والدار مذ عدمت جمال وجوهكم == لم يبق فـي ذاك المقـام مقـام
لا حظ فيها للعيون وليس لـلأ == قـدام فـي عرصاتهـا إقـدام
وحياتكم إني على عهد الهـوى == باقٍ ولـم يخفـر لـدي ذمـام
فدمي حـلال إن أردت سواكـم == والعيش بعدكـم علـي حـرام
يا غائبين وفي الفـؤاد لبعدهـم == نار لها بيـن الضلـوع ضـرام
لا كتبكـم تأتـي ولا أخباركـم == تـروى ولا تدنيكـم الأحــلام
نغصتـم الدنيـا علـي وكلمـا == جد النوى لعبت بـي الأسقـام
ولقيت من صرف الزمان وجوره == ما لـم تخيلـه لـي الأوهـام
يا ليت شعري كيف حال أحبتي == وبـأي أرض خيمـوا وأقامـوا
مالي أنيس غيـر بيـت قالـه == صب رمته من الفـراق سهـام
والله ما اخترت الفـراق وإنمـا == حكمـت علـي بذلـك الأيــام ٠

*و يقول الحصري القيرواني في رثاء مدينة القيروان بتونس ذات المروج الخضراء :
———————
مع مرثية علي الحصري القيرواني الضرير
? – 488 هـ / ? – 1095 م٠

و له قصيدته ذأىعة الشهرة و الصيت التي عارضها أكثر من مائة شاعر و نيج علي منوالها الكثير ، كما تعد من عيون الشعر العربي الغنائي على الإطلاق بعنوان (يا ليل الصب متى غده) ٠
وهي القصيدة التي جعلت من أبي الحسن الحصري أشهر من نار على علم، وهو أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري الفهري الضرير
يقول الحصري القيرواني في رثاء مدينة القيروان التونسية التي بناها عقبة بن نافع أبان الفتح العربي الإسلامي لأفريقيا ٠٠ :
وقد آلمته نكبة القيروان كبقيةِ شُعراءِ عَصْرِه, فقال ينْدُبُها بقصيدةٍ طويلةٍ امدكم ببعض الابيات منها:
مَوتُ الكرامِ حياةٌ في مواطِنهمْ…. فَإن هُم اغتربُوا مَاتُوا وَمَا ماتوُا
يا أهلَ ودّيَ لاَ والله ما انتكَثَتْ… عنـدي عهودٌ ولا ضاقتْ مودّاتُ
لِئن بَعد ثُم وحال البحرُ دونكُمُ…. لَـبينَ أرواحـِنَا في النَّوم زَوْراتُ
ما نمت إلاّ لِكي ألقىَ خـيالكُمُ…. وأين مَنْ نازحِ الأوطـانِ نومـاتُ
أصبحتُ في غُربتي لولا مكاتِمتي.. بكتني الأرضُ فيها والسماواتُ
كَأنّني لم أذُقْ بالقيـــــروانِ جـنى…. ولم أقلْ هَا لأحبابي وَلاَ هَاتوُا
ألاَ سَقى الله أرْضَ القــــــيروانِ.. حَيًا كـأنَّه عـبراتي المُستهـلاتُ ٠

* و يقول أبو البقاء الرندي في قصيدة رثاء الأندلس :
——————–
”لكل شيء إذا ما تم نقصان * فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دولٌ * من سرَّهُ زمنٌ ساءته أزمانُ
وهذه الدار لا تبقي على أحد * ولا يدوم على حال لها شانُ
يمزّق الدهر حتماً كل سابغةٍ * اذا نبت مشرفيات وخرصان ٠

* و يقول أمير الشعراء أحمد شوقي في نكبة دمشق :
——————-

*رثاء مدينة دمشق :
—————-

مع قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي في رثاء دمشق الفيحاء ٠٠
بعنوان ( نكبة دمشق ) و هي طويلة نختزل منها هذا الجزء :
سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ ……….. وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ
وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي ………………….. جَلالُ الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ
وَذِكرى عَن خَواطِرِها لِقَلبي ………………….. إِلَيكِ تَلَفُّتٌ أَبَدًا وَخَفقُ
وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَيالي ……………….. جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ
دَخَلتُكِ وَالأَصيلُ لَهُ اِئتِلاقٌ ……………… وَوَجهُكِ ضاحِكُ القَسَماتِ طَلقُ
وَتَحتَ جِنانِكِ الأَنهارُ تَجري ………………….. وَمِلءُ رُباكِ أَوراقٌ وَوُرْقُ
وَحَولي فِتيَةٌ غُرٌّ صِباحٌ ………………….. لَهُم في الفَضلِ غاياتٌ وَسَبقُ
عَلى لَهَواتِهِم شُعَراءُ لُسنٌ ……………… وَفي أَعطافِهِم خُطَباءُ شُدقُ
رُواةُ قَصائِدي فَاعجَب لِشِعرٍ ………………….. بِكُلِّ مَحَلَّةٍ يَرويهِ خَلقُ
غَمَزتُ إِباءَهُمْ حَتّى تَلَظَّتْ ……………….. أُنوفُ الأُسدِ وَاضطَرَمَ المَدَقُّ
وَضَجَّ مِنَ الشَكيمَةِ كُلُّ حُرٍّ ………………….. أَبِيٍّ مِن أُمَيَّةَ فيهِ عِتقُ
لَحاها اللهُ أَنباءً تَوالَتْ ………………….. عَلى سَمعِ الوَلِيِّ بِما يَشُقُّ
يُفَصِّلُها إِلى الدُنيا بَريدٌ ………………….. وَيُجمِلُها إِلى الآفاقِ بَرقُ
تَكادُ لِرَوعَةِ الأَحداثِ فيها ……………… تُخالُ مِنَ الخُرافَةِ وَهيَ صِدقُ
وَقيلَ مَعالِمُ التاريخِ دُكَّتْ ………………….. وَقيلَ أَصابَها تَلَفٌ وَحَرقُ
* يقول نزار قباني في رثاء القدس :
———————
رثاء مدينة القدس الشريف :

و نختم موضوعنا هنا بقصيدة تصور مأساة الأقصي و القدس الشريف
لنزار قباني يصور و يجسد ملحمة ارض الزيتون و السلام فيقول في رائعته:
بكيت.. حتى انتهت الدموع
صليت.. حتى ذابت الشموع
ركعت.. حتى ملّني الركوع
سألت عن محمد، فيكِ وعن يسوع
يا قُدسُ، يا مدينة تفوح أنبياء
يا أقصر الدروبِ بين الأرضِ والسماء

* * *

يا قدسُ، يا منارةَ الشرائع
يا طفلةً جميلةً محروقةَ الأصابع
حزينةٌ عيناكِ، يا مدينةَ البتول
يا واحةً ظليلةً مرَّ بها الرسول
حزينةٌ حجارةُ الشوارع
حزينةٌ مآذنُ الجوامع
يا قُدس، يا جميلةً تلتفُّ بالسواد
من يقرعُ الأجراسَ في كنيسةِ القيامة؟
صبيحةَ الآحاد..
من يحملُ الألعابَ للأولاد؟
في ليلةِ الميلاد..

* * *

يا قدسُ، يا مدينةَ الأحزان
يا دمعةً كبيرةً تجولُ في الأجفان
من يوقفُ العدوان؟
عليكِ، يا لؤلؤةَ الأديان
من يغسل الدماءَ عن حجارةِ الجدران؟
من ينقذُ الإنجيل؟
من ينقذُ القرآن؟
من ينقذُ المسيحَ ممن قتلوا المسيح؟
من ينقذُ الإنسان؟

* * *

يا قدسُ.. يا مدينتي
يا قدسُ.. يا حبيبتي
غداً.. غداً.. سيزهر الليمون
وتفرحُ السنابلُ الخضراءُ والزيتون
وتضحكُ العيون..
وترجعُ الحمائمُ المهاجرة..
إلى السقوفِ الطاهرة
ويرجعُ الأطفالُ يلعبون
ويلتقي الآباءُ والبنون
على رباك الزاهرة..
يا بلدي..
يا بلد السلام والزيتون ٠

هذه كانت أهم المراثي للمدن مثل البصرة و بغداد و القيروان و الأندلس و نكبة دمشق الفيحاء و القدس الشريف و الأقصي ٠٠
انها انتكاسات و خراب و دمار ينذر بالكثير حول العواصم العربية و الإسلامية ، بجانب مراثي الإنسان و الحيوان في توازن في خط واحد دائما

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى