شعر

تابوتُ الصّمت

عبد الجبار الفياض

إلى روحِ الشّاعرِ محمود البريكان

حافةُ زمنِ
سْملتْ عيناه . . .
بيعَ نصفُهُ لدُخانِ البنادق
الآخرُ
رقعةُ شطرنج
لا يموتُ فيها الملكُ
ولو هلكَ كُلُّ جندِهِ
ومَنْ هم بعدُ في الأرحام مُضغة . . .
افترشتْ دروبَهُ المنايا
بأسماءِ تُجّارٍ
بيدِهم
لحطبٍ بشريّ
تُفتَحُ أبوابُ جهنمَ . . .
لفوقٍ
تُغرقُهُ سفنُ اللّذةِ بألوانِ ما يجمعُهُ غصْبٌ
يتخطى عُقباً ممنوعة . . .
بلهاثٍ
يسيلُ لُعاباً لخزائنَ
وهبَها اللهُ لتُعساءِ الأرض
تبتعدُ قُرباً من غضبٍ الطّين
للمفرِّ طريقٌ واحدٌ مسدود !
. . . . .
حروفُ الشّمس
تحتَ حوافرَ مُسوّمةٍ بختمِ السّلطان . . .
في غُرفٍ
قُطِعَ عنها لسانُ الضّوء
بينَها وبينَ رغيفِ الخُبزِ خيطُ موتٍ أحمر . . .
كيفَ لشفاهٍ تشقّقتْ من جوعٍ
ألآ تهتفَ لآتٍ
شُقَّ من جوع ؟!
. . . . .
لم تصطبغْ يدُهُ بصُفرةِ مَلَقٍ
يلعقُ متنَ رجلٍ من القريتين . . .
لطالَما استهوتْ حذاءَهُ عَتَبةٌ ذاتُ رَفَد . . .
ياقاتٌ بيض
أمسكتْ ما أوقعتْهُ الحيلةُ بشباكِ الصّيْد . . .
موائدُ
ما فيها
لا يعرفُهُ طبقُ خوصٍ لا يندى إلآ بعرق الخُبز . . .
الوطنيّةُ ثوبٌ
قُدَّ من كُلِّ الجّهات . . .
تسخرُ منها زجاجاتُ الويسكي
مُلْحةً عاريةً
تدورُ على ألسنةٍ ثملة
تلْعَنُ الوركاءَ وما ولدتْ !
. . . . .
منابرُ
تقئُ ما لا يروي منقارَ طيْر
يُدافُ تحتَ أحذيةٍ أنيقة
ربَما
أتقنتْ فنَّ التّصفيقِ كذلك . . .
غاوون
لم يستبينوا أبعدَ من أرنبةِ أنف . . .
بضاعتُهم
لا تَقرَبُ الخيْمةَ الحمراءَ في سوقِ عُكاظ !
تعساً لصوتٍ
ترقُّهٌ عُملةٌ مُنفرِجة
تصنعُ ما تدورُ حولَهُ جماجمُ فارغة !
. . . . .
اتّكأً ابنُ الرّيبِ على آخرِ أنفاسِه
بينَ رمحٍ وسيف
ما في وقيعةٍ
خذلاه . . .
يتحرّقُ من بعيدٍ
لساخنِ دمعٍ يَبكيه . . .
جلسَ ابنُ جيكورَ على ساحلِ خليجِه
ليسَ في ذهنِهِ سوى حفّارِ قبورٍ
يواري مومساً عمياء . . .
يعتصرُ الظّلامَ نوراً
علَّهُ يرى فيهِ شناشيلَ عشقِهِ الأوّل !
لكنَّ قتيلَ البصرةِ
يلتحفُ صمتاً خالياً من ثرثرةِ مقاهٍ بائسة . . .
يؤمُّهُ السّيابُ لصلاةِ الشّعر
سجدةً لقصيدةٍ
بجمالِ ما سالتْ بهِ قفا نبكِ على طلل . . .
بعذوبةِ يانائحَ الطلح . . .
ليتَ للبرّاقِ عيناً . . .
دونَهُ ما تَغرَبتْ قدماهُ بعيداً عن حبلِهِ السّريّ . . .
الغربةُ في الوطن
ما اشتقَّ لها أسمٌ بعد
لعلّهُ الموتُ من غيرِ دَفَن !
. . . . .
فجرٌ لم يُفلَق
وإنْ
فليْلٌ مُنغمسٌ في عيونِ النّابغة . . .
تُرى
أيُّ ألمٍ يحزُّ خاطرَ مُنزوٍ في داخلِه ؟
ينحتُ روحاً
تنوءُ بما عرجتْ من أجلهِ أرواحٌ إلى السّماء . . .
أتكونُ غيرَ التي وهبَها نوراً لعيونِ المدينة ؟
لغدٍ قد يُولدُ كفيفاً ؟
كيفَ لخِنجرٍ أعمى
يشقُّ لحداً لراهبِ الصّمتِ في عسيرِ ليلٍ
أنكرتْهُ البصرة ؟
مَنْ يكونُ هذا المغدورُ بأحشاءِ مدينتِهِ ؟
ليس إلآهُ مَنْ يعرفُ خارطةَ صمتِه . . .
تسارعتْ خطاهُ بعمقِ مأساةِ لير الملك ١
حُلَّ الوِكاء
أُريقَ ما في القربةِ لوجهِ العشق . . .
لم يبقَ للحارسِ فنارٌ يأويه ! ٢
. . . . .
راودتْهُ الثّريا عن نفسِهِ
فاستعْصم . . .
انفتلَ
لهُ أنْ يولدَها ما شاءَ من نجومٍ لا تأفل . . .
ارتفعَ الى سماءِ ضادِهِ
قبلَ أنْ يترجّل . . .
قد تصفعُهُ ريحٌ مخبولة
لكنّهُ لا يُقبّلُ على ضَنَكٍ لها يداً . . .
. . . . .
في ظلِّ غيمةٍ عبوس
وصلَ الزبيريُّ إلى فنارِه
يحملُ جُرحَهُ قبراً . . .
ليتَ الرّشيديّةَ لم تَفتحْ عيناً لترى ٣
مساميرَ نعشٍ
تُدقُّ بارتعاشةِ فُراقٍ
خطفَ لحظةً
غشيتْ إشراقةً بحفنةِ دَم . . .
ألقى عصا صمتِهِ
بجوارِ الحسنِ البصريّ ٤
بلباسٍ أبيضَ
ما لبسَ قبلَهُ ثوباً
مِن شقيٍّ
أرادَهٌ وجهاً
فأعطاهُ قفا . . .
أبناءُ الطّوفان
لا يغرقونَ في بُركة لا تُغرقُ سفناً من ورق !
. . . . .
خُسفَ الشّعرُ
في ليلةٍ ذاتِ سوء
لها من الألم
ما يُثقلُ كلَّ حروفِ الرّثاء . . .
أيّةُ مِديةٍ ذهبتْ بكُلِّ هذا البهاء ؟
أخرجتْ من الحياةِ حياةً
نزّ فيها حبٌّ
تشرينَ في عروقِ العراق . . .
حتى أنت . . .!
جذّتِ جدائلَها البصرة . . .
بكى الزّبيرُ على نعشهِ كُلَّ الشّعراء . . .
بسوادِ الحزنِ
اتّشحتْ قصائدُ المرابد . . .
أغرقَ الخليلُ في بحورِهِ عتباً
انتحب . . .
ليستْ هناكَ وصيةٌ تُقرأ
سوى أنًّ الصّمتَ عشقٌ
ما أُذِنَ لهُ إلآ أنْ يبوحَ بصمت !!
هو الموت . . .
لكنْ
ما هكذا يُغادرُ الكِبار . . .
لوركا
نيرودا
البريكان . . .
لا يموتُ الحرفُ بموتِ لسانِه !
. . . . .

أكتوبر/ 2018

١_ مسرحية الملك لير لشكسبير .
٢_حارس الفنار من أجمل قصائد البريكان.
٣- إحدى مناطق قضاء الزبير الرئيسة حيث ترعرع الشاعر
٤_مقبرة الحسن البصري في قضاء الزبير حيث مرقد الحسن وابن سيرين والسياب ومحمود عبد الوهاب والشاعر الشعبي (ابو معيشي) وغيرهم من رموز البصرة .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى