قصة

الصَّـــــــــــد مَةُ!

صاحب ساجت

هَوْلُ الصَّدمةِ أسْكتَهُ دَهرًا، ما نَبَسَ بِبنتِ شِفَةٍ. تَدارَكَتِ الأُسْرَةُ المَوقفَ إزاءَ تدبيراتٍ طبيَةٍ وَ نفسيَّةٍ، أَلَمَّتْ بِها بشــــكلٍ مُباغِتٍ وَ قسوةٍ. هَيّأَتْ مَكانًا خاصًّا، وَ التَزَمتِ الحِرصَ الشـّــديدَ فـي تعاملاتِها معَ الزّائرينَ، وَ معَ “صالِحٍ”. بَينَمــا “صالحُ” لا يَعبَأُ بِمــا عَزَموا عَلىٰ إجراءِهِ. وَ لا يَحتملُ رُؤيَـةَ حالِهِ بهٰذا السِّجْنِ، شَبيهُ القَبرِ، مَعَ إنَّ إسمَهُ ما بَرِحَ يَتصدَّرُ سِجلَّ قَيدِ الحَياةِ، وَ هوَ.. يَنبضُ وَ يَتحرَّكُ، يَرغَبُ وَ يَتأمَّلُ، يَغضبُ وَ يُسامِحُ!
نَوافذُ البيتِ وَ أبوابُهُ غُلِّقَتْ وَأُقْفلَتْ دُونَهُ، وَ لمْ تَعُدْ لِلضَوضاءِ مُناسبةُ وُجُودٍ في الدَّارِ، لا مِنَ الأهلِ وَ لا مِنَ الزِّوّارِ، سِوىٰ أصواتٍ مَخنوقةٍ مِنْ هُنا أو هُناكَ، لِحرَكاتٍ في غُرَفٍ نُزِعَ مِنها الأثاثُ وَ أمْسَتْ فَضاءاتٌ نحاســــيَّةٌ، خانقةٌ، خُيِّلَ إليهِ أنَّها غَصَّتْ بِدِيدانٍ وَ حَشـــراتٍ مُقرفةٍ!
في الزِّيارَةِ الثانيَةِ، نَصَحَ الطّبيبُ الأَهلَ بِترتيباتٍ خاصّـــةٍ. وَ حَذَّرَهُم مِنْ زيادةِ هرمُوناتِ الجسمِ بمرورِ الوَقتِ، بتأثيـرِ نوعٍ مِنَ العلاجِ اليَومي، وَ قالَ:-
— يُخْشَىٰ اْنْ يَتحوَّلَ إلىٰ شَخصٍ
عَدائِيٍّ يَصْعبُ التَّعاملُ مَعهُ وَ السَّيطرَةُ عَليهِ.. إلاّ بالقوَّةِ لِزيادةِ طاقةِ جسمِهِ الحَيويَّةِ!
الزَوجَةُ.. عاشَتْ سجنَها الذي اِختارَتْهُ لنفسِها، خارجَ الدّارِ؛ فـي الحَديقةِ الخلفيَّةِ، كَي تَتلصّصَ مِنْ وَراءِ النَّوافذِ عَلَىٰ زَوجِها المَغدُورِ!
وَ كُلَّ ما تَوافَرَ لَها هوَ.. اِجترارُ الذكرياتِ وَمقارنَةُ حالينِ:-
* تَشتِّتُ أفرادِ الأُسرَةِ كُلٌّ بِحسبِ عَمَلهِ وَجُهدِهِ، وَ…
* ماضٍ قريبٌ، آلَتْ أيَّامُهُ إلىٰ حـادثةٍ مُروَّعَـــــةٍ، سِرُّها طَيُّ الكتمانِ إنْبَهرَ لها القاصي وَ الدّاني!
زارَهُم شَيخُ دينٍ وَقورٍ، قالَ:
– إنَّهُ مَسْحورٌ وَ سَيَتولَّىٰ، بِنفسِهِ إعْدادَ رُقْيَةِ سِحْرٍ مِنَ الجَّانِّ!
وَ زارتْهُم أيْضًا.. جِدَّةٌ طاعِنَةٌ في السِّنِ، غائبَةٌ مُنْذُ سنينَ، حاضرةٌّ بَينَهم حِينَما يَجلسُون عَلَىٰ مائِدةِ الشّاي، أو في لقـــاءاتِ أَيّامِ الجُمَعِ، إذْ يَتَندَّرونَ بِحِكاياتِها وَ مَقالِبِها معَ النِّســـاءِ
وَ الرِّجالِ عَلَىٰ حَدٍّ سَواء وَ بِخاصَّةٍ ٍحَديثِي العَهْدِ بالزَّواجِ.
فَورُ وُصُولِها.. طَلبَتْ إدخالَها عَلَىٰ حَفيدِها، كَي تَربطَ (خِرزَةَ العَليلِ) في نَحرِهِ وَ تَقرأُ ما تَيسَّــــرَ لها مِنَ آيِّ القُرآنِ الكَريمِ.
كَفْكَفَتْ دُمُوعَهُ، اِحْتضَنتْهُ طَويلاً، وَ هوَ يَخْتَضُّ بَينَ ذَراعَيهـا الواهنَتينِ.. في حينَ.. العُيُونُ الأُخْرىٰ فاضَتْ بِدَمعِ ِالرَّجــــــــاءِ وَ التَوسّلِ على وَقعِ نَشيجٍ يَعلُو وَ يَنخفضُ؛ ثُمَّ يَعلُو تارَةً أُخرىٰ كَصوتِ عاصفةٍ هوجاءَ!
بَعدَ إسبوعينِ مِنَ الهُدُوءِ وَالعلاقاتِ الحَميميَّةِ في عُمومِ البَيتِ.. غادَرَتِ الجِدَّةُ إلىٰ مَدينَتِها البَعيدةِ، وَ تَركتْ فَراغًـــا في قلُوبِ أَفـرادِ الأُسرَةِ، بَينما حَفيدُها المَريـــــضُ يَتضاءَلُ بجسمِهِ وَ عَقلهِ!
فَما عادَ طَويلُ القامةِ، عَريضُ الاْكتافِ،
بلْ اِنحنَىٰ قَليلاً وَ هَزُلَتْ ْعَضلاتُهُ
وَ خــــارَتْ قُواهُ، عَقلُهُ…
تَغيَّرَ سَريعًا وَ أصبحَ قريبًا إلىٰ عَهــــدِ الطُّفولةِ منْ عُمرِهِ الثَلاثِيني! بحيثُ لمْ يُمَيِّزْ بينَ مـا يحتاجُـــهُ وَ يَنفعُهُ..
وَ بينَ كفايتِهِ مِنَ الأشياءِ.. وَ ما يَضرُّهُ!
وَ بينَ مدَّةٍ وَ أُخرىٰ.. يُكرِّرُ المُعالجُ أو يُبدِّلُ أنواعَ العقاقيرِ دونَ جَدوَىٰ، فَسرعانَ ما جاءَتِ الأحداثُ بالضِّدِّ مِمّا تَوقعَ، طَبعُهُ صارَ أليفًا وَ هاديءَ المَزاجِ بعدَ زيارةِ الجِدَّةِ، وَ يبدُو مَسكينًا يَستدرُّ عَطفَ أعْتَىٰ مُتجبِّرٍ!
بَيْدَ أنَّ أحدَ أيّامِ الشّتاءِ القارسِ.. ســَــقَطَتْ عَلَىٰ رُؤوسِ الجَّميعِ صاعِقةٌ، أفْزعتْهم.. أربَكتْ أعمالَهم المُعتادةَ.
الجِدَّةُ تَحْتَضِرُ … !!!
وَ بالكادِ فَهِمَ المُحيطونَ بها أَنَّها تُريدُ أنْ تَموتَ وَ في حِجرِها حَفيدَها…
لَمْ يُسْتَثنَ أحَدٌ مِنَ الأُسرَةِ.. كُلُّ فَردٍ ٍمِنهم فَتَحَ فاهُ، وَ جَحُظَتْ عَيناهُ،
وَ تَعلّقَ ذهنهُ بالواحِ الخَشبِ المَشؤومةِ بالمَقبرةِ.. بالسَّوادِ.. الفاتحةِ.. المعزينَ.. (اللَّطاماتِ) وَ أحداثٍ ليسَتْ بالحُسبانِ!
وَ بعدَ صلاةِ فجرِ يومِ جُمعةٍ مُمطِرٍ.. أَعلنَ مُكبِّرُ صوتٍ مِنْ جامعٍ ٍقريبٍ وَفاةَ الحاجَّةِ “فُلانة” وَ حفيدَها “صالحُ”!
اِسْتِدْرَاكٌ:-
وُجِدَتْ الجثَّتانِ الهامِدَتانِ، عَلَىٰ سَريرٍ واحِدٍ، وَ بَعدَ جُهْدٍ وَ عَناءٍ فُضَّ الإشْتباكُ بَينَهُـما، وَ نُقِلَا لِيُقْبَرَا مَعًــــا
– بِحَسَبِ وَصيَّةِ الجِدَّةِ – في مَثْوًىٰ واحدٍ لِيَنامَا قَريرَي العينِ!
أمَّا حَيثيَّاتُ الصَّدْمَةِ.. بَقِيَتْ– كَما أَسْلَفْنا طَيَّ الكُتْمانِ! وَ رُبَّما يَأتي يَومٌ يَتَوَفَّقُ فيهِ أَحَدٌ ما، بالعُثُورِ عَلَيْهـَا بَينَ أَوْراقٍ وَ دَفاترَ مُلاحَظاتٍ اِمْتَلَأَتْ بِها خَزانَةُ كُتُبٍ مَركُونَةٍ في الطّابِقِ الأعْلَىٰ مِنَ الدَّارِ…
فَلَيسَ مِنْ عادَةِ– صالحٍ– أنْ يَتْرُكَ الأمْرَ هَمْلًا !
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى