دراسات و مقالات

الشاعر محمد عبدالله البريكي، يتنفس الواقع بروح جمالية..!

وجدان عبدالعزيز

عن ديوان (بدأت مع البحر) للشاعر محمد عبدالله البريكي

الشعر قديم قدم وجود الانسان على وجه البسيطة، وتاريخه مرتبط بحركة هذا الانسان في واقعه المعيشي والاجتماعي والسياسي ، ويمثل فاعلية انسانية تعبيرية من خلال النشاط اللغوي ويُعتبرمن الاجناس الادبية التي تحمل البوح باسرار الذات واكتشاف العالم المحيط باسئلته الوجودية ، ثم انه ينقل تجربة الانسان الشعورية واللاشعورية تجاه الكون والذات حاملا تساؤلاته عبر ذبذبات بثه للاخر ، بحيث جعلت منه قضية من قضايا الفكر الانساني ، فكان محط اهتمام الدارسين على مر العصور ، وميزته الاساسية ، قدرته على الانفلات من القيود وله قدرة على صناعة التوتر والبحث عن الحقيقة عبر انفلاته من القيود وصناعة القلق التساؤلي .. اذن مسيرة الشاعر هي سيرة وجدانه الفردي والاجتماعي والقومي. وعلى مقدار وعمق وجدانه تتوقف سيرة شعره بوصفه وجدانا فرديا اجتماعيا قوميا. وامامي ديوان (بدأت مع البحر) للشاعر محمد عبدالله البريكي الصادر من مجلة دبي الثقافية برقم 122 وهي سلسلة دأبت هذه المجلة على اصدارها اسهاما منها في نشر الثقافة العربية من خلال كتاب (دبي الثقافية) الشهري ، وحرص القائمون باصدار هذه السلسلة على التنوع وكسر الرتابة تعميما للنفع .. وانا لا اعجب والمجلة والسلسلة تصدر من دولة الامارات العربية المتحدة ، الدولة العربية الفتية الناهضة اقتصاديا وثقافيا رغم قصر عمرها التاريخي ، ففي الثاني من ديسمبر 1971 ، أعلن عن قيام دولة الامارات العربية المتحدة ، كدولة مستقلة ذات سيادة ، تضم امارتها السبع وهي : أبو ظبي ، دبي ،الشارقة ، عجمان ، أم القيوين ، رأس الخيمة ، والفجيرة .. وكانت الشريعة الاسلامية هي مصدر رئيسي للتشريع واللغة الرسمية هي العربية ، ناهيك عن تداول الإنجليزية وعلى نطاق واسع ، وهناك بعض اللغات المتداولة بشكل محدود و مقصور على الجاليات الوافدة وهي الاردو والفارسية والهندية ….
هذه المقدمة جاءت متزامنة وقراءتي لديوان البريكي (بدأت مع البحر) ، هذا الشاعر الذي ما انفك ملتصقا بروح الواقع الامارتي العربي ، يتنفسه بروح جمالية ، لذا كان شاعرا شعبيا بامتياز ، اي انه كتب الشعر الشعبي ايضا ، وتنقل في مناصب ثقافية ، ليس بعيدا من منابة الثقافة والشعر ، مدير بيت الشعر بالشارقة ، مدير مهرجان الشارقة للشعر العربي وغيرها .. كانت معظم قصائد الديوان تحمل الانا وصراعها مع الغياب والحضور جماليا ، لاثبات الذات التائهة في البحث عن الوجود ..يستهل الشاعر البريكي ديوانه بقصيدة (على عتبات الوقت) ، يقول فيها :

(توضأ ، والمصباح ملّ توسّله
وروحي على سجادة الوصل مرسله
يدثرني جرحي واشعر انّه
جواد مع الايام قد جرّ سلسله
له في سرير الغيم انفاس راهب
له في مرايا الريح عرش ومنزله
مددت له قرب المجرات سلمّا
فطاول معراج الفضاء ليغزله
وما خلتني والريح تمتصذ رغبتي
سوى قمر والنور في الغيب اشغله
خلوت وليل العاشقين قبيلة
تفتش في الاحداق عن ظل سنبله
اجوع الى ليلاي .. تلك حكاية
وليلى بتأويل المحبين مثقله)

والقصيدة هذه مثقلة بالكثير من البوح ، فالشاعر يعيش توتر الغياب في كل الوضع المحيط به ، الا انه يبحث عن ذاته الرافضة ، والتي تحاول البروز والظهور ، فهو يعيش وضع خاص واخر عام ، هموم ذاتية ، وهموم موضوعية ، ويتميز انه لا يركب مركب “كل يغني على ليلاه” انما روحه منشغلة بالوصل ، رغم ان جرحه يدثر المه الاعمق .. اذن يجوع الى ليلاه ، لكنه يسمع انّات المريدين ، يسكنه الضوء من خلال تساؤل وضعه قبالة عينيه .. (الى اين ؟ هذا الضوء يمتد من دمي/ليسبح في معناي حتى يبلله؟) ، هذا هو الشعر الذي يسكن البريكي يدخل الذات ويخرج منها موضوعيا يحمل هما اكبر وهدفا انسانيا جليا .. فنجده عبر تنمية الصور الواقعية التي تكتنفه ، ينطلق بها من ذاته المتمركزة في الواقع الى تعميق تجربته من خلال هواجسه ومجساته التي تسبب له انفعالات وقلق من الوجود ، وتكون فيها جدلية معمقة، بل نلمس خيوط المعاناة المتمركزة في النص على انها معاناة قضية لها مدلولها الفكري ، فبقدر ما تزعزعنا مؤثراتها، فهي ابنة الحالات التي وقع فيها الشاعر، والتي تبين تأثيراتها النفسية والاجتماعية معاً، متأطرة بنوازعه الخاصة … ويستمر الشاعر البريكي في اثبات الذات القلقة المنفعلة التي تبحث عن وجودها الجمالي في خضم هذا الاضطراب الحياتي ، حيث يقول في قصيدته (تساقط مني) :

(بين مرآة دمعتي
كنت ظني
لا ابالي بما تساقط مني
يسكت العقرب المشاغب
دوما ، في بدايات كل نزف يغني
كدت ارمي بصورتي
من رداها
فتهاويت عن رداها وعني
قشرة تحت مائها
كان وجهي
وانا قبل مائها لم اكني )

ليظل قلقا منفعلا يبحث عن نفسه في نفسه ، محاولا كشف صورته الغير مرغوب فيها ، وحينما يحاول رميها يتهاوى معها ، وهذا بحث جمالي عن الذات اي عن العمق وليس السطح .. فـ(كان وجهي/وانا قبل مائها لم اكنّي) ، يعيش حالة تصوف للتخلص من اشياء اكتشفها ، الا انه يعيشها كواقع ، بدليل قوله في موضع اخر من القصيدة : (وكان في الغيم وجه/حينها كنت/انما ../لست مني) ، ليبقى الشاعر بين الرومانسية والصوفية ، فتارة يستجيب للذات وتارة يسمو ، وهنا ينشد مثالية الانسان في ارض الواقع ، ويعمق هذا المسار بقوله من خلال قصيدة (تتعرق بالضوء) : (بعيدا عن الطير/يصعد قلبي/وتُجلسني نجمة/تتعرق بالضوء) ، فمن الذات وصراعها الى الموضوعية ومأساة (طفلة فقدت في الحروب ذويها/ابوها الذي قبلته الرصاصة فوق الجبين/وام تنام على جهة غيبت حلمها) .. فـ(هيدغر “مثلا” قد اقام فلسفته على اساس تأويلي يعتمد اللغة منطلقا في فهم الذات او الوجود الاني للعالم والاشياء ، فالوجود يتكشف من خلال اللغة ، وهو يبدأ لحظة كشف اللغة عنه ، اذ انها “تعبير عن المعنوية القائمة بالفعل بين الاشياء … وبما ان اللغة هي مجال الفهم والتفسير ، فالعالم لم يكشف نفسه للانسان من خلال عمليات مستمرة من الفهم والتفسير وعلى هذا ، فان اللغة هي التجلي الوجودي للعالم” .. اذن اللغة التي يقصدها هيدغر هي لغة الشعر الصافية التي تعمل على تسمية الاشياء في شفافيتها الاولى ، انها الرجوع الى الاصل الذي يجد تحققه في الاعمال الفنية العظيمة . فاذا كان الوجود الذاتي ينفتح على العالم من خلال العمل الفني الذي هو “تأسيس الكينونة عن طريق الكلام”)ص153ـ154 فلسفة المعنى ، فان الشاعر البريكي يؤسس كينونته كاشفا عنها من خلال مساره الشعري الواعي ..
وفي موقع اخر يطرح همه الانساني الذي يكبر وبحثه في الكون والكينونة بقوله في قصيدة (انا يا ابي ادم) :

(ومن اي جب ساخرج
والارض تفتح لي بطنها
والذين يمرون حولي
يمدون حبلا لاخرج
لكن وزن همومي
يجر الحبال اليّ
ويهرب كل اولئك عني
وابقى وحيدا)

فهو يحمل هدفا يبقى يساوره القلق في الخروج الى الطريق السالك ، الا انه ايضا يكتشف ان من حوله يهربون منه ، وحتى حبيبته التي ممكن ان تكون اقرب الناس التي تشاطره الهموم ، غير ان اخطاءه تجعلها تقص حبال الوصل ، هذا القلق يجعله غير قار منفعلا دوما ، رافضا وحالما في مخاض اليم ..يقول في قصيدة (هكذا ثمر الارض) :

(يعبر الناس فوق الاغاني
كأن الاغاني جسور تئن من العابرين
وهم يصلون الى ضفة الحلم
تأخذهم هذه الكلمات التي
ولدت من مخاض اليم
مع الفكرة البكر والصورة المبهرة)

اذن الفكرة التي تحملها الكلمة في مخاض ، كما هي سنبلة القمح ، التي عانت من الطين والماء ، كي (تصافح في فرح نسمة الحياة/، ولايتلألأ عقد على جيد فاتنة قبل ان تصهر النار/ ماكان حول البريق من الصخر/هو الشعر/رحلتنا في المواجع/ بين الحياة واضدادها) ، وهنا نكتشف بيت القصيد ، كون البريكي يسكنه الشعر ويقلقه ، لانه يكسبه حساسية يقظة تجاه كل الوجود ، ويجعله باحثا ابدا عن جمالية الحياة وحقيقة وجودها ..

مصادر البحث :

1 ـ كتاب (فلسفة المعنى) لواء الفواز /اصدار مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية لسنة 2013م /الطبعة الاولى ـ بغداد ـ 2013م ص153ـ154

2 ـ ديوان (بدأت مع البحر) للشاعر محمد عبدالله البريكي/كتاب دبي الثقافية رقم 122 فبراير 2015م

ملاحظة : الشاعر رئيس بيت الشعر في الشارقة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى