قصة

الحصول على موطىء دمع

رعد الإمارة

استيقظ صباحا، كان الطقس معتدلا، رائقا كما في الأيام الخوالي، مر سريعا على صفحته بالفيسبوك، لاشىء جديد، أما الخاص فقد خلا كالعادة من أي إشارة منها، لا رسالة، ولاحتى حرف من رسالة، كان قد مضى وقت طويل على ذلك ، وقد اعتاد الأمر أخيرا، لكنه منذ مساء البارحة، ولايعرف السبب، كان قد اتخذ قرارا مع نفسه، أن يذهب لذات المكان الذي شهد فراقهما الأخير وللأبد، كان يدرك ان الأمر لن يكون سهلا ابدا، وقد لايتحمل قلبه الضعيف كل ذلك!إنه يرتجف منذ الآن، أصابعه لم تكن مستقرة، وثمة وجع هائل يجتاح أعماقه، مع ذلك اكتشف الآن بأنه وحيد، وحيد تماما ومريض، كان لديه أمل، بأن يخفف البكاء شيئا عنه، ولو بمقدار ضئيل ، من أجل ذلك بكر في الخروج من غرفته ذات الجو الخانق. قبل أن يوقف سيارة الأجرة، تذكر إن عليه زيارة الكشك، نعم ذلك الدكان الذي يعج بشتى أنواع السلع، لطالما توقفا عنده وابتاعا حلويات بألوان زاهية وسكاكر، ظل محتارا وهو يصافح بعينيه قوالب الشيكولاتة ذات الماركات المشهورة، كانت تحب هذا الصنف، وهذا وذاك، مسها كلها بطرف أصابعه، إذن هل يبكي الآن!إنه يشعر بالعبرة في صدره، يشعر بها تماما، وهي تغلي، حتى أكثر من بركان، سحقا، إن صاحب الكشك ينظر إليه الآن. أوقف سيارة الأجرة تحت جسر المشاة، قبالة حديقة الزوراء، ترجل وراح يحدق من بعيد في البوابة الكبيرة،وضع يده اليمنى على صدره، شعر بشيء يعتصر قلبه، ويكاد يكتم أنفاسه،همس لنفسه قبل أن يوسع لقدميه الخطى :
-ها نحن نعود مرة أخرى ياحبيبتي. دمعت عينه، وجد نفسه على الجزرة الوسطية ، يقف منكسرا بطوله الذي لطالما قالت عنه جميل، حك رأسه مثل طفل تائه، هل عليه قطع تذكرة أم تذكرتان! زاغت عينيه ،لا ليس عادلا كل هذا الحزن بالمرة ، كاد أن يقع، فكر بأن يجثو على ركبتيه ثم يبدأ بالبكاء،تماسك يارجل، خذ نفسا عميقا، لاتفعل ذلك هنا، آه هذا جيد،راح يدمدم مع نفسه وهو يرمق البوابة الكبيرة بعين كسيرة.خيل له وهو يمشي بخطوات بطيئة مترددة، بأن حشائش وأشجار الحديقة ترمقه برثاء، وحتى المقاعد، تلك التي يعرفها وتعرفه، شعر بأنها راحت تتنهد!لم يرفع نظره عن الأرض، ظل يمشي هكذا، كان يخشى أن تصطدم عينيه بذكرى يعرفها، ذكرى قوية تجعله ينحب، أدرك بأنه ليس مستعدا للبكاء الآن. تبا، لقد أضاع الطريق لبحيرة طيور النورس، بل أضاع الطريق لكل أماكن الذكريات، راح يتلفت، لم يرغب بسؤال أحدهم، كان زاهدا حتى في السؤال! اعتصر ذاكرته الهرمة، حدق في نقطة معينة وأخذ يسير ناحيتها، آه، إنه يعرف هذا المكان، بدأت ذاكرته تستعيد عافيتها أخيرا، جلس على المقعد وراح يتأمل الطاولة المشروخة، إنها نفسها، أعرفها من هذا الشرخ الطويل، وقد يكون هذا المقعد هو نفسه الذي جلست عليه، قال هذا ثم سحب المقعد الخالي إلى جانبه وراح يتلمسه! حجب ظل أشعة الشمس عنه، رفع رأسه، أنه عامل الكشك الشاب، ارتبك قليلا، سحب أصابعه من على ظهر الكرسي وقال :
-كوب شاي كبير. اومأ له العامل برأسه واستدار منصرفا لطاولة أخرى، أخذ يفكر الآن، هل عليه أن يسأل العامل الشاب عن الطريق لبحيرة طيور النورس، أو ربما حديقة الحيوانات، أشعل سيجارة وراح يتنهد، كانت هي دليله في كل شىء، إنه فقط كان يتأبط ذراعها الحلو، ثم يسير معها كالحالم تماما، لقد تبخر كل هذا الآن، والأمر المضحك والداعي للدهشة حقا، إنها لم تنبأه بأمر الفراق، لقد تصرفت على سجيتها تماما، اشبعته حبا ودلالا، ضحكت كثيرا، وتأملته أكثر، أنه مازال يذكر، كان موعدا عجيبا هذا الأخير، لكن عندما افترقا، وقبل أن يصل إلى غرفته، رن هاتفه، رسالة منها، ظنها مزحة في بادىء الأمر، لكنه تفهم الموضوع فيما بعد، أدرك أن التضحية أحيانا تكون أسمى وأعظم من الحب، كانت مساومة قذرة من جانب طليقها، العودة إليه مقابل الموافقة على زواج بناتها الثلاث! كان عليها ان تضحي ،وقد فعلت!لم يعد لفصل الشتاء بأمطاره العذبة التي كانت تبلل ثيابهما أي قيمة، ولا لفصل الصيف بحره اللاهب الذي يجعلهما يلهثان أي معنى، لقد تساوت لديه الفصول، ولم يعد يثير انتباهه أي يوم منها! إنه يعود للمرة الأخيرة وبعد أشهر من الفراق المر، يعود فقط حتى يبكي، كان يشعر بالاختناق، وبالوحدة، وبالعجز، ارشده العامل الشاب لطريق البحيرة، وقف يتأمل مياهها الساكنةللحظات ،ثم رفع رأسه وراح يلاحق ببصره أسراب طيور النورس، كانت تزعق بصورة مستمرة وهي تواصل الهبوط بحثا عن شيئا ما على صفحة المياه البراقة، أخذت دموعه تسيل الآن، بصمت في بادىء الأمر، كانت تقف هنا، فوق هذه الأعشاب، تطوح بكفها الحلو الممتلىء بفتات الخبز صوب النوارس، طوح بفراغ كفه كما كانت تفعل، كرر الأمر، انتابته هستيريا الضحك فجأة، ضحكات جعلته ينحني واضعا كلتا يديه على ركبتيه، ازداد زعيق النوارس المندهشة، هوى بكامل جسده على العشب القصير الأخضر، راح يجذب بعضا منه، ثم يلقي به إلى السماء، علا نحيبه، حتى طغى على أصوات النوارس

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى